-->

غابة الذئاب (الفصل ٣١ الجزء الثاني)

 

بالقرب من البوابة في الداخل تنتظر صديقتها التي تأخرت و لم تأتِ باكراً اليوم، ألقت نظرة علي الساعة وأطلقت زفرة بضجر

"أومال لو مكنتش مأكدة عليكي يا فجر إنك تيجي بدري كنتِ هتيجي الساعة كام؟!" 


انتبهت إلي ولوج سيارة سوداء فارهة من البوابة المخصصة لعبور السيارات، وقفت السيارة أمام الرصيف التي تقف عليه هي، انفتح الباب وترجلت فجر تبتسم إليها من خلف النظارة الشمسية

"هاي ديجا، معلش أتأخرت عليكي" 


انتبهت إلي باسم يقف مع أصدقائه علي مقربة منهم، عينيه لا تبرح الشاب الذي ينزل من سيارته ووقف بجوار فجر التي تابعت بصوت يصل إلي هذا الذي يتأجج كماء المهل من فرط الغضب و الغيرة

"أعرفك بمازن خطيبي" 

و رفعت يدها تبرز اصبعها البنصر في يدها اليمني، يلمع بريق خاتم خطبة تتوسطه قطعة ألماس صغيرة. 


نظرت إليها الأخرى بعدم فهم و حينما أشارت فجر لها بعينيها إلي باسم ورفاقه أدركت ما تفعله من تمثيل زائف لتجعل باسم يتراجع عن ملاحقتها كل يوم. 


عقبت خديجة بهمس

"و الله أنتي مجنونة، و جنانك هيوديكي في داهية" 


اقتربت فجر منها لترد بصوت خافت

"مازن يبقي جارنا ومحامي في نفس الوقت، و الخاتم اللي في إيدي من محل اكسسوارات، كنتِ عايزاني أخليه يبعد عني إزاي و هو عمال يطاردني في الراحة والجاية، ده حتي مخلي واحد بيراقبني من أول ما أخرج من باب البيت، شوفي وصلت لأيه؟!"


"خلاص بسيطة ممكن نروح نعمل محضر بعدم تعرض" 


تدخل مازن يخبرها

"إحنا عملنا كدة فعلاً" 


ضحكت فجر بسخرية 

"أنتي طيبة أوي يا خديجة، باسم من عيلة نفوذها واصلة لوزير الداخلية، عملنا محضر و بعد ما خرجنا من القسم أترمي في الزبالة و مش بعيد اتصلوا بلغوه واعتذروا له كمان، أومال دكتور هاني مقرب منه ليه وبقوا أصحاب، طبعاً بيستفاد منه، أي مصلحة باسم بينفذها له بمكالمة تليفون" 


"فجر عايزة حاجة قبل ما أمشي؟" 

كان سؤال مازن، فاستدارت فجر إليه تحت نظر باسم قائلة

"لاء يا بيبي، thank you، روح أنت علي شغلك و أنا هستناك" 

أمسك يدها وقام بتقبيل ظهر كفها علي مرأي الآخرين، انزعجت خديجة لما تتمادى فيه فجر، فهي تخشى عليها من شر باسم، لا تأمن مكر هذا الشيطان إلي أين سيصل؟! 


لوح المدعو مازن بيده إلي فجر من نافذة السيارة ثم انطلق. 


"مالك يا ديجا متضايقة ليه؟!" 

أجابت الأخرى

"أنا خايفة عليكي من شر باسم، و تاني حاجة إزاي تسمحي لراجل غريب حتي لو بتمثلوا يمسك إيدك و يبوسها؟" 


شعرت بالحرج فصديقتها لديها حق في هذا العتاب

"بالتأكيد ما اقصدش، أو يمكن ما خدتش بالي"


"خلاص اللي حصل حصل، إنهي الحوار ده أحسن، وتعالي بعد ما نخلص محاضرات النهاردة نقعد نشوف اللي مفروض نذاكره، الأيام بتجري والإمتحانات قربت" 


ذهبت كلتيهما من أمام باسم و كانت فجر تحدق نحوه بازدراء لتجد نظراته تنضح بوعيد من جهنم لن يتراجع عنه. 

                   ༺※※※༻

عاد من الخارج ينادي علي صغاره

"قصي؟، يزيد؟، سيف؟" 


لم يجد رداً، ذهب إلي غرفتهم وفتح الباب، لا يوجد أحد منهم، ذهب إلي غرفة النوم فوجد زوجته تغط في نوم عميق، تنام في وضع الجنين يبدو أنها تشعر بالبرد من هواء المكيف البارد، أمسك بالغطاء الخفيف و دثرها جيداً ثم أخذ جهاز التحكم وقام بتزويد درجة الحرارة ليصبح الهواء أقل برودة. 

خلع سترته ووضعها علي طرف نهاية السرير، جلس بجوار دنيا يتأمل ملامحها التي أصبح يعشقها، فكل يوم مر من الأيام السابقة يكتشف كم هو كان أحمق، لديه زوجة تجمع صفات مميزة عديدة يتمناها كل رجل في زوجته، زوجة و أم حنون، تحبه بل وتعشقه، تقوم بتلبية طلبه قبل أن يتفوه به، تتميز بروح الدعابة كلما تراه مهموماً تخفف عنه بإلقاء النكات المضحكة أو تقوم بالمزاح معه كما تفعل مع صغارها لتزيل عنهم الحزن و تترك البسمة علي شفاههم، تجمع كل صفات ابنة الأصول. 


دنا من وجهها وقام بتقبيل وجنتها ثم بدأ يخبرها

"أنا اكتشفت أن ما أقدرش أعيش من غيرك و بحبك أوي، عارف أذيتك كتير بالتجاهل، كان غباء مني و دلوقتي عرفت قيمتك، تعرفي في كل صلاة بدعي ربنا إنه يحنن قلبك عليا و تسامحيني" 


خلع حذائه وجوربه ليتمدد جوارها، احتضنها بين ذراعيه فأستيقظت

"كنان! " 

انسحبت من بين ذراعيه ونهضت بجذعها جالسة

"أنت جيت امتي؟" 


وضع يده علي ظهرها يمسده بحنان

"لسه جاي، الأولاد فين؟" 


ابتعدت قليلاً حتي تبتعد عن يده التي سببت لها القشعريرة وتخبره

"عند جدتي و هعدي عليها بكرة الصبح هاخدهم معايا علي المشغل" 


كانت علي وشك أن تنهض من الفراش، فأمسك بيدها ينظر إليها بإشتياق و تيه في بحور عينيها الناعستين، يرجوها بنبرة تجعل الحديد ينصهر فما بال حال فؤادها العاشق له! 

"وحشاني أوي" 


عادت لتجلس علي طرف السرير تحدق إليه في صمت ثم تخلت عن هذا السكون تشير له نحو فخذيها، أدرك مقصدها فذهب كالطفل الصغير ونام برأسه عليهما، أخذ ينظر إليها ويمسك بيدها، و يدها الأخرى تداعب خصلات شعره بأناملها، سألته و تتحري صدق قوله أن كان بالنفي أم بالإيجاب خلال ما تنضح به عينيه

"بتحبني؟"

تظاهرت بعدم سماعها لما ألقاه علي سمعها وهي نائمة، لكن تريد أن تسمع ذاك الاعتراف وجهاً إلي وجه، فقام بتقبيل راحة يدها التي يمسك بها ثم قال لها

"أنا تخطيت مرحلة الحب معاكي" 


"و حبك ليا نابع من قلبك و لا شفقة بعد اللي حصل؟" 


ابعد رأسه عن فخذيها ونهض ليجلس بجوارها ويمسك بكلا يديها

"أنا عارف أنه مش من السهل تنسي اللي حصل، بس أنا معايا دليل بسيط يثبتلك أن قفلت صفحة الماضي وفوقت لنفسي وعرفت أن معايا أجمل وأحن ست في الدنيا و في عينيا" 

أخرج محفظته الجلدية من جيب البنطال وأخذ من طياتها ورقة مطوية، مد يده بها إليها

"أفتحي أقرأي" 


قامت بفتح الورقة وأخذت تتجول بعينيها علي محتواها فوجدتها قسيمة طلاق تم توثيقها منذ أسبوع، واسم غريمتها مدون بالإنجليزية، نظرت إليه و ألقت عليه سؤالها الذي يخفي خلفه عدة تساؤلات

"طلقتها ليه؟" 


اقترب منها للغاية وحاوط وجهها بين كفيه مبتسماً

"كان لازم أعمل كدة من أول مرة شوفتك" 


لا تنكر أن قلبها يرقص من السعادة، لكن مازال صوت كبريائها يهمس لها بأنه لن يحن بعد وقت الغفران الكبير، عليها أن تتمهل حتي تتأكد من صدق حديثه و أفعاله، فما شعرت به من عذاب نفسي طوال الثمانية سنوات ليس بالهين نسيانه في غضون أيام أو شهر! 


"مش بالسهل أنسي بسرعة، كل ما افتكر اللي فات بحس أن بتحرق، إحساس صعب أي حد يستحمله" 

دمعة فرت من عينها دون أن تدري فهبطت علي خدها

"هتنسي يا دنيا، حبي وعشقي ليكي هيخلوكي تنسي أي عذاب حستيه، أنا مستعد أصبر وأتحمل العمر كله لحد ما أنول الغفران" 


و قبل أن تصل دمعتها إلي يده اقترب بشفتيه و ألتقط الدمعة في قبلة هادئة، يغمض عينيه يستمتع بملمس خدها المياس لملمس شفاه، وضعت يديها علي يديه تبعدهم علي مهل عن وجهها، لكنه لن يستسلم، ابعد يديه بالفعل ثم حاوط خصرها، ويريح جبهته علي خاصتها، أنفاسه تتصاعد رويداً رويداً 

"هقولك علي حاجة نفسي أعملها معاكي" 


ابتعدت ونظرت إليه و ظنت الأمر المعتاد كلما يقترب منها بشوق عارم، لكنه يفاجئها تلك المرة حينما نهض وقام بتوصيل هاتفه بسماعة ذات تردد مرتفع، قام بالضغط علي أغنية ذات نمط غربي مفضلة لديه، بدأت الموسيقي، و مد يده إليها

"نفسي نرقص slow مع بعض" 


ابتسمت رغماً عنها، وداخلها يشعر بالتحليق كالطير، فها هو بدأ يكشف لها عن جانبه الرومانسي. 

نهضت و استجابت لدعوته، اتخذ وضع الرقص الكلاسيكي بوضع يدها علي كتفه و الأخري يمسكها بيده، بينما يده الأخرى يمسك جانب خصرها، بدأت كلمات الأغنية بصوت المغني والذي يخبر حبيبته عن حبه وجنونه بها، ردد كنان معه الأغنية بصوته. 

تخلي عن وضعية الرقص تلك فقام بمعانقتها و مازال يتحرك معها علي إيقاع الموسيقي بتناغم، كانت تريح رأسها علي صدره تسمع نبضات قلبه يخبرها بصدق ما يردده من كلمات الأغنية الإنجليزية، التي تعبر عن مشاعره. 


" لقد سحرتيني بعيونك... بطريقتك الخاصة

... أتسائل متعجباً كيف عرفتِ الأشياء التي لم أقلها؟... لا أستطيع تصور الحياة من غير أن تكوني بجانبي... قوة حبك هو كل ما أحتاج إليه هذه الليلة.. أعرف أنني بعض الأوقات

سببت لك بعض الألم... لكني سأرميها وراء ظهري... أذا استطعت البدء من جديد

يجب أن أقول شيئاً... وأعلم انه تأخر

أحلى الأشياء عرفتها... أو كل ما أردته..

يبدأ وينتهي معكِ... كم أحبك.. كم أحبك

نعومة شفتاكِ... لون شعرك... ذكرى لمساتك

باقية حتى بغيابك... صدى ضحكاتك عندما اشعر بالكآبة... كل معنى حياتي يبدأ معك

لذا تعالي بأحضاني وأستلقي بجانبي... فالقمر دائماً هناك... ليبقى حبنا مشرقاً.. وصلت إلى الذروة كل شيء يعني أنك في القمة أنتِ... اريدك كل الأوقات... وحلمي إلى الأبد هو أنتِ

كم أحبك... كم أحبك"


هنا ينتهي الغناء و تبدأ معزوفة جديدة، معزوفة تبدأ بلحن قبلات وتناغم كليهما في عناق قوي، يتشبث بها وكأنها ستهرب منه، يلقي علي سمعها أعذب و أجمل الكلمات، يسمع إلي أنفاسها التي يشوبها أنين، همسات يتبعها لمسات، جسدها يدنو إلي الخلف رويداً رويداً حتي أصبحت ممددة علي الفراش، لم يبتعد عنها و أنامل كل يد له تتخلل أنامل كل يد لها علي حده، ينظر إلي ملامحها المستلمة، 

نظرات عينيها تخبره أن يكمل مشواره إلي درب فؤادها، و هنا أنطلق بها في رحلة تتلاحم داخلها الأنفاس كما تتلاحم الشفاه و الأجساد وصوت غناء العشق يصدح بأعذب الألحان. 


مر وقت غير معلوم لكليهما، كان يتمدد جوارها يلتقط أنفاسه بينما هي ولت ظهرها إليه و الدثار يكسو جسدها ما عدا رأسها و ذراعيها، تضم يديها أسفل خدها، لا يبدو علي ملامحها أي تعبير وكأنها تمثال صامت، و قررت أن تتخلي عن صمتها فاخبرته دون مقدمات

"مبروك، هتبقي بابا للمرة الرابعة" 

                  ༺※※※༻

توقفت السيارة لدي المكان المخصص للسيارات في المرفأ، ترجل منها وذهب ليفتح لها الباب الآخر، و بمجرد أن نزلت حملها علي ذراعيه فضحكت

"نزلني، هتطلع لليخت إزاي و أنت شايلني، هنقع أنا وأنت في الميه" 


تقدم بها نحو اليخت الخاص بهما

"أنتي مش واثقة في قدرات جوزك و لا إيه؟!" 


تعلقت ذراعيها حول عنقه 

"واثقة طبعاً، بس أوقات ممكن تحصل فلتات غصب عننا، و علي رأي المثل لا يقع إلا الشاطر" 


رفع احدى حاجبيه إليها قائلاً

"ما تخافيش هنقع فعلاً بس مش في المية" 


سألته بدلال وتحرك ساقيها في الهواء

"أومال هنقع فين يا حبيبي؟" 


ابتسم بمكر ويخبرها

"هقولك جوه اليخت" 


قفز وهو يحملها بنجاح فصاحت بمرح وأخذت تردد عبارات التشييد بقوته حتي وصل إلي داخل اليخت وخطت قدمه الرواق المتفرع منه الغرفة، لم ينتبه إلي الدرجة فانزلق ووقع علي ظهره، شهقت صبا بخوف وهبطت علي ركبتيها

"حبيبي، أنت كويس؟" 


أمسك ظهره و حاول أن ينهض و يخفي ألمه 

"قعدتي تغنيلي عليك قوة تهد جبال و عملالي فيها شادية، أهو رشدي أباظة قصدي جوزك وقع علي ضهره" 


اقتربت منه ووضعت يدها علي ظهره بقلق 

"تعالي نروح لدكتور نطمن علي ضهرك" 


نظر إليها و رأي الخوف والقلق عليه في عينيها، نهض مبتسماً وجذبها من يدها لتقع بين ذراعيه

"ما تخافيش أنا بخير، الوقعة مكنتش جامدة، حتي تعالي أوريكي" 

فقام بحملها مرة أخري، صرخت به

"يا قيصو يا مجنون" 


فتح باب الغرفة ومازال يحملها حتي أنزلها برفق علي الفراش

"أنا فعلاً مجنون، و هوريكي الجنان، بس أدخل أخد shower و راجعلك" 

غمز بعينه وذهب إلي الحمام، نهضت وسارت نحو الخزانة لتبحث عن شىء جديد ترتديه. 


أنتهي من الاستحمام، أغلق الصنبور وذهب ليأخذ المنشفة ويجفف جسده بها ثم أخذ منشفة أخري، يلفها حول خصره بإحكام، خرج يبحث عنها غير منتبه للأشياء التي تركتها له، خرج من الغرفة يناديها

"صبا؟، أنتي فين؟" 


أجابت من داخل الغرفة المقابلة والتي اغلقت بابها جيداً من الداخل 

"هخلص لبس و جاية لك، شوف أنت بس الحاجات اللي عندك عقبال ما أجايلك" 


عاد إلي الغرفة وانتبه في تلك اللحظة إلي الأرجيلة الموضوعة أعلي الكمود و هناك جلباب صعيدي رجالي فوق الفراش وبجواره عصا خشبية ذات مسند اليد المعكوف، ضحك وهو يمسك بالجلباب والعصا

"شكلها اتفرجت علي فيلم تمر حنة و لا إيه؟!" 


بعد قليل... 

تصدح موسيقي للرقص الشرقي من حقبة الخمسينات في القرن الماضي، تتراقص عليها بخصرها الذي عاد منحوتاً كما ذي قبل وذلك لإتباعها في الآونة الأخيرة لنظام غذائي مع ممارسة التمارين، كانت ترتدي جلباب نسائي ضيق يظهر منحنيات جسدها، ينتهي من الجانبين بفتحتين تصل كل منهما إلي الركبة، يعلو رأسها وشاح مثلث صغير مزدانة أطرافه بكرات صغيرة من الصوف (منديل بأويه) ويزين أذنيها أقراط دائرية الشكل، وعينيها يرسمها الكحل الأسود وشفتيها تكسوها الحمرة وعلي ذقنها شامة صغيرة قامت برسمها بقلم الكحل، أصبحت إمرأة شعبية من حقبة أفلام الأبيض والأسود. 


كان يجلس علي الأريكة ينفث دخان الأرجيلة، اقتربت منه و تعطي له العصا 

"قوم يا قيصو عشان خاطري أرقص معايا زي ما حسن كان بيرقص مع تمر حنة" 


ترك عصا الأرجيلة علي المنضدة ونهض مبتسماً يتناول منها العصا

"ماشي يا تمر حنة قصدي يا صبا" 

أخذ يرقص معها بالعصا فيحاصرها بها حتي تصبح بينه و بين العصا و تتراقص، وصل إلي الفراش، ترك العصا وجذبها لتقع بين يديه، حاوطت عنقه ذراعيها و تسأله بدلال 

"قيصو، الورد أحلي و لا الفل؟" 


ضحك وقال

"التمر حنة، قصدي أنتي يا حبيبتي" 


"طب الفل أحلي و لا الياسمين؟" 


"أنتي يا روح قلبي" 


"طيب الياسمين أحلي و لا القرنفل؟" 


"ما قولتلك أنتي أحلي، حتي تعالي لما أثبتلك كلامي" 

ألتقط شفتيها في قبلة جعلتها تغوص في عمق محيطه، تترك نفسها إليه يغوص معها كما يشاء هو، كلما تعود من رحلة الغوص تأسرها عيناه داخل مملكة أشجار الزيتون، تتعمد لمس حروف اسمها الموشومة علي صدره، بأطراف أناملها تارة و بشفتيها تارة أخرى، ظل كليهما داخل عالمهما حتي وصلا إلي الشاطىء، فكان صدره هو المرسي الذي تتوسده برأسها و خصلات شعرها مبعثرة عليه، تضع يدها علي الوشم فتسأله

"قيصو؟" 


"نعم؟" 


"هو أنت ممكن في يوم من الأيام تشيل الوشم؟ " 


قطب ما بين حاجبيه

"و إيه اللي يخليني أشيله؟" 


"أصل حسن في الفيلم شال صورة تمر حنة الموشوم بيها صدره" 


"هو عمل كدة لما باعته و جريت ورا واحد تاني" 


اعتدلت واستندت علي مرفقها علي جانبها 

"بصراحة تمر حنة غبية لما تسيب واحد بيحبها الحب ده كله و بيغير عليها" 


تمدد هو أيضاً علي جانبه يخبرها

"و الغباء مش بيشمل الخيانة وبس، مثلاً لما الواحدة ما تقدرش جوزها، تخليه آخر إهتمامتها، عدم الطاعة كلها مسببات تدفع الزوج إنه يجيب أخره منها" 


"هو أنا مش بهتم بيك قبل ما اهتم حتي بالولاد؟" 


"و أنتي اخدتي الكلام عليكي ليه؟!، أنا بقولك الأسباب بشكل عام" 


لوحت بيدها بعدم اكتراث

"لا عام و لا خاص، أنا اللي غلطانة عشان بسأل أسئلة غريبة وهنكد علي نفسنا في الآخر" 


مد ذراعه يدعها لتلقي بنفسها علي صدره، لبت دعوته وفعلت ذلك، يمسك ذقنها

"بصراحة النهاردة بعد شغل و تعب اليوم نهايته جميلة أوي، كفاية إننا مع بعض، و عايز افهمك حاجة سؤالك أنا فاهم معناه كويس، عايزك تطمني عمري ما هشيلك من قلبي مهما حصل، أنتي زي ما اسمك موشوم بالظبط، صبا القلب و الروح، و مفيش انسان يقدر يعيش من غير القلب و الروح" 


"بحبك أوي يا قصي، نفسي أصرخ و مش خايفة ليقولوا عليا مجنونة، بحبك، بحبك، بحبك" 

كانت تصرخ بتلك الكلمة التي ترددها فعانقها بقوة و دفن وجهه ما بين كتفها وعنقها قائلاً

"و أنا مش لاقي كلمة توصف اللي جوايا ليكي، إحساس أكبر من العشق والتيم أو الوله، أنا بحاول اخترع مفرد أو مصطلح يوصف مشاعري، بس للأسف مش لاقي" 


رفعت رأسه لتنظر إليه وتخبره

"أنت مش محتاج توصف بالكلام، أفعالك أبلغ في توصيل المعني" 


"بالنسبة لدروس البلاغة والنحو اللي وقعنا فيها دي، تعالي أحكيلك عن الفعل و الفاعل والمفعول به"

و رفع الدثار عليهما فصاحت ضاحكة

"كفاية بقي يا قيصو" 


أطلق ضحك وقال لها

"كفاية إيه، إحنا مش هانروح غير لما أشرحلك منهج النحو كله" 

انتهي الحديث بالضحك الذي بدء يخبو وحل مكانه صوت أنفاسهما وكلمات يطرحها العشق علي سمعهما. 

                  ༺※※※༻

في اليوم التالي... 

بعد إنتهاء المحاضرة انتظرت خديجة صديقتها خارج القاعة، بينما فجر تلاحظ مراقبة باسم لها والشر يتطاير من عينيه وذلك بسبب ما حدث بالأمس، أرادت أن تثبت إليه تحديها بالدليل الدامغ إنها قامت بمحوه من حياتها وحل مكانه شخص آخر. 

فكلما تنتبه إلي نظراته النارية لها تتعمد أن ترفع يدها وإظهار إصبعها البنصر حيث مازالت ترتدي خاتم الخطبة الزائف. 


"أنا جعانة جداً، تعالي ناكل حاجة وهعزمك كمان" 

تسير خديجة بمحاذاة فجر التي عقبت

"لاء العزومة المرة دي عليا، بس أستنيني هنا دقيقتين هاروح التويليت وهارجعلك" 


كادت تذهب فأوقفتها الأخري

"أستني التويليت القريب من هنا الصيانة شغالين فيه" 


زفرت بضيق 

"كدة هاضطر أروح للتويليت اللي جمب مبني المكتبة" 


"أنا جاية معاكي وهستناكي برة" 


خلعت حقيبتها ومدت يدها بها و الأخري بالهاتف

"لاء خليكي هنا في الضلة وخلي شنطتي والفون معاكي وأنا هاروح وهاجي علي طول"


ذهبت فجر بخطوات سريعة وهناك زوج من العيون تتبعها فذهب صاحبها ليخبر صديقه! 


وصلت أمام المرحاض فرأت العاملة تجلس علي الكرسي في الجهة المقابلة وتتناول شطيرة وعندما رأت فجر ابتلعت ما بفمها وأخبرتها

"أدخلي الحمام التاني عشان الأول الحنفيات فيه بايظة لسه هاتتصلح" 


اومأت إليها الأخري وقبل أن تدخل إلي المرحاض أخرجت من جيب بنطالها ورقة نقدية، تقدمت من العاملة وامسكت بيدها

ووضعت في كفها الورقة، أخذت السيدة تدعو لها فابتسمت فجر وولجت إلي المرحاض و وجدته شاغراً. 


وبعد مرور دقيقتين انتهت من قضاء حاجتها خرجت تغسل يديها وتلقي بالماء علي وجهها وتغمض عينيها، سمعت بصوت فتح الباب ولم تكترث، ذلك مرحاض عام داخل الحرم الجامعي. 


تقوم بتجفيف يديها بالمحرمة الورقية وتنظر إلي يديها، يخترق أذنيها صوت خطوات تقترب منها، رفعت وجهها أمام المرآة، اتسعت حدقتيها عندما رأته يقف خلفها، شيطان عائد من الجحيم وأقسم علي الانتقام. 


استدارت في لحظة وابتعدت بضع خطوات حتي ألتصق ظهرها في حافة الطاولة الرخامية للحوض

"أنت إزاي دخلت هنا؟" 


صاحت بقوة زائفة نقيض الرعب الذي تشعر به وهي تنظر إلي عينيه وتري داخلهما وعيد وجاء ليقوم بتنفيذه. 

ابتسامة مهرج تلوح علي شفاه وهو يحدق إليها بنظرة سوداء فتحول الخوف لديها إلي هلع، يكاد قلبها يتوقف من فرط سرعة نبضاته. 


"المفروض تسأليني السؤال الأهم، أنت دخلت ليه؟" 


ابتلعت لعابها لعل تخفف من جفاف حلقها قبل أن تتحدث بصوت هادئ ويبدو عليه الخوف 

"مش أنا قولتلك قبل كدة إنه خلاص كل اللي ما بينا انتهي؟!، و بقيت مخطوبة وشوفتني بعينيك إمبارح وأنا نازلة من عربية خطيبي؟!" 


اقترب منها وانتفضت عندما استند بيديه علي حافة الرخام، فاصبحت أسيرة بين ذراعيه، رأت نظرة ساخرة يتبعها نبرة هازئة

"خطيبك؟!، تمثيلية عبيطة أوي أي عيل صغير يفهمها، مش الواد برضو صاحب العربية يبقي الواد المحامي اللي ساكن في العمارة اللي قصادك؟" 


"ده أنت كمان مش مكفيك تراقبني جوة الجامعة، لاء كمان بتراقبني لحد بيتي؟!" 


"و لو جوة بيتك نفسه أعملها، ما أنا قولتهالك يا فجر قبل كدة، أنتي بتاعتي واللي هيقرب منك هانسفه، فبلاش الحوارات الفكسانة دي تعمليها معايا أحسنلك" 


ابتسمت بسخرية وسألته 

"و لو خليت الحوار جد وأتخطبت هاتعمل إيه؟، هاتقتلني؟" 


"أيوة هقتلك وهقتل اللي مخطوبة ليه" 


لم تعد أن تتحمل هذا الهراء

"أنت مجنون بقي" 


"أيوة مجنون، بس مجنون بيكي وأنتي مش مقدرة حبي، أنا عارف إنك بتبعدي عشان أعرف قيمتك" 

رفع يديه واضعاً أحدهما علي خدها والأخري يضعها علي عضدها، أنفاسه تضرب وجهها، يردف قائلاً

"يا فجر، أنا بحبك، لاء أنا بعشقك، أنا عديت حتي المرحلة دي" 


أبعدت كلتا يديه عنها بازدراء وصاحت برفض تام

"و أنا مش بحبك، فوق بقي من الوهم والهوس اللي أنت عايش فيه، أنا فعلاً كنت بحبك في يوم من الأيام بس أنت أخترت طريقك وأديتك فرصة والتانية ترجع لعقلك يمكن ربنا يهديك عن السكة اللي أنت ماشي فيها، بس حالك هو هو ما بتتغيرش، بقيت من سئ لأسوأ" 


قبض علي عضديها بقوة ينفث غضبه الجامح

"و أنا قولتلك مش هاتغير، لأن مقتنع بأفكاري و ده ملهوش علاقة بحياتي معاكي، أبقي ملحد أبقي الجن الأزرق ده ما يخصكيش، كل اللي يخصك أنا وبس، أنا حر" 


لم تشعر بما ينتابها الآن من قبل، خليط من الشفقة والكراهية، النفور والغضب، تريد أن تصفعه لعله يستيقظ من الغفلة أو تنقشع الغيمة من فوق رأسه اليابس، وجدت عليها أن تحسم الأمر وكفي مواجهة لا فائدة منها بتاً. 

"و أنا كمان حرة، لا ديني و لا أخلاقي يسمحوا لي أكمل مع واحد زيك" 


حدقت نحوه بازدراء وشرعت بالذهاب، و إذا به يمنعها فجأة قابضاً علي رسغها، ينظر صوب عينيها وكأن ألسنة نيران الجحيم تتراقص في عينيه! 


مازالت خديجة تنتظرها و صوت رنين الهاتف يصدح للمرة الثانية، رفعت شاشة الهاتف لتري المتصل «Mam»، ألقت نظرة نحو الطريق لعل أن تجد فجر قادمة والحال كما هو منذ أكثر من خمسة عشر دقيقة، فأجابت حتي تُطمئن والدة فجر

"ألو يا طنط أنا خديجة صاحبة فجر" 


"هي فجر فين؟، هي كويسة؟" 

صاحت السيدة بقلق وخوف علي ابنتها، فأخبرتها الأخري

"ما تقلقيش يا طنط، فجر راحت التويليت و أنا مستنياها بعيد شوية" 


"معلش يا خديجة يا بنتي ممكن تروحي لها وتديها التليفون أسألها علي حاجة مهمة، بس بالله عليكي ضروري" 


"حاضر، خلي حضرتك معايا علي الخط" 

ومضت في طريقها


وبالعودة إلي هذا الموقف العصيب، كان أنينها أسفل كفه أشبه إلي الصراخ، حيث حاصرها بين الحائط وبين جسده

"أنا لما أقولك أنتي بتاعتي، ما بقولش أي كلام و هثبتلك دلوقتي" 


ومد يده إلي فتحة الكنزة ليقوم بفك الزر تلو الأخر، تقاوم بكل قوتها لكن جسده الضاغط عليها بقوة لا يسمح إليها بالتحرك إنشاً. 


يخبرها بنبرة شيطانية 

"وفري صويتك، لأن محدش هايسمعك، الست اللي برة مشيت، الفلوس بتعمل كل حاجة و مفيش حاجة بتقف قدام باسم"


هجم كالضبع الضاري عليها بقبلات عشوائية ويده تعتصر كل مكان يقابله، تصرخ ولم يسمع صراخها أحداً سواهما، جمعت كل قوتها وبشجاعة استطاعت دفعه عنها صارخة

"أنت أوسخ إنسان عرفته في حياتي، والمرة دي مش هاسكت تاني، هاقدم فيك بلاغ تاني وتالت و هافضحك، و الله العظيم هوافق علي أول واحد يتقدملي عشان أقهرك و أحرق دمك، أو تروح تنتحر" 


تجمعت كل الشياطين أمام عينيه، لا يرى سوي الثأر لكرامته بل انتقاماً آثماً، قبض علي وشاحها من الخلف بقوة

"و أنا مش هستني لما تعمليها" 


ودفعها علي الأرض، جثي فوقها مردفاً

"عشان محدش هيبصلك بعد اللي هاعمله فيكي" 

أخرج من جيبه مُدية ليمزق بها ثيابها حتي ينهشها كالذئب الضاري، أمسكت بيده قبل أن يفعل ذلك، تقاوم بكل قوة

"ابعد عني يا.... " 

تدفع يده التي تحمل المدية عنها بضراوة فأصابته في كتفه إصابة طفيفة مما زاده جنوناً، رفع المدية إلي أعلي فهبط مزمجراً فأصابها بطعنة، صرخة وصلت إلي خديجة التي فتحت الباب ورأت هذا المشهد المفجع.


فجر كالجثة الهامدة علي الأرض وجزء من السكين يخترق بطنها، لم تكن تصرخ بل كانت في حالة إعياء جعلها تفقد وعيها في الحال، اقتربت منها خديجة تردد اسمها بخوف


"فجر؟، قومي يا فجر" 

نهضت لتجد هذا الشيطان يقف في حالة صدمة من ما أقترفه، أخذت تضربه في صدره بيديها صارخة

"عملت فيها كدة ليه؟!، حرام عليك" 


جذب صوت صراخها كل من بالخارج، ولج الأمن وخلفه يتجمع الطلبة والعاملين، و عندما رأت العاملة ما حدث لفجر أدركت لما طلب منها باسم أن تبتعد فقررت الفرار قبل أن يلحق بها العقاب لأنها تعد شريكة في الجريمة، كما

تم القبض علي باسم من حراس الأمن ريثما يأتي رجال الشرطة للتحقيق في الوقعة،  بينما

جاءت سيارة الإسعاف الخاصة بالجامعة وقام المسعفون بنقل فجر سريعاً إلي أقرب مشفي و برفقتها خديجة التي أبت تركها بمفردها، أبلغت والدتها من بين بكائها بما حدث لابنتها وكان حالها يرثي إليه. 

تمسك بيد صديقتها وتخبرها 

"بإذن الله هتقومي بالسلامة، أنا جمبك و مش هاسيبك، والله لأخدلك حقك منه و هاسجنه"....... 


يتبع...

Weaam Medhat
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع روايات سلمى سمير .

جديد قسم :

إرسال تعليق