-->

غابة الذئاب (الفصل ٣٤ الجزء الثاني)

داخل متجر شهير بأثواب العرائس، تقف أمام المرآة الكبيرة تنظر إلي ثوب الزفاف الأبيض الذي ترتديه، تبتسم وهي تري حلمها علي وشك أن يتحقق، كم رأت ذلك المشهد مراراً وتكراراً في أحلامها و تُزف إلي الرجل الوحيد الذي أحبته، و ها هو حلمها أضحى حقيقة واقعية، تدور حول نفسها لترى شكل الثوب جيداً قبل أن تعطي قرارها


"ها يا آنسة رودينا، الفستان عجب حضرتك و لا أجيبلك واحد غيره؟" 

كان سؤال مسئولة البيع خارج غرفة القياس، فتحت الأخرى الباب وخرجت مبتسمة بسعادة 

"عاجبني جداً و هاخده" 


و كانت تبحث بعينيها عن صديقتها التي ظهرت خلف الباب الزجاجي الذي فُتحَ إتوماتيكياً و ولجت لترى الأخرى تقف في منتصف المتجر بذلك الثوب الفاخر

"واو، حلو أوي اللهم بارك" 


"بجد يا ملك الفستان حلو و لا أشوف غيره؟" 


اقتربت منها وتتفحص تفاصيل الثوب بابتسامة عارمة

"ده ماشاء الله تحفة و مخليكي شبه الـ princess" 


"تفتكري هايعجب ياسين؟" 


"هو الفستان اللي مش هايعجب أخويا وبس" 

غمزت بعينها وتابعت

"اللي جوه الفستان هو اللي عاجبه وعاجبه أوي كمان" 


تبدلت نظرة صديقتها من الفرح إلي الحزن والأسى، سألتها ملك بقلق وتعجب

"هو أنا قولت حاجة زعلتك؟!" 


جلست علي أقرب مقعد لها وأخبرتها عن ما يقلقها منذ مقابلتها مع شقيقها

"بالعكس كلامك أي واحدة هاتسمعه هاتكون فرحانة، لكن اللي شايفاه لحد دلوقت من ياسين مخليني قلقانة ومش مطمنة" 


"هو عمل حاجة ضايقتك لما روحتوا اتغديتوا برة؟" 


حدقت إليها وتتذكر الحوار الذي دار بينهما سابقاً........ 


«   "أنا مكنش قصدي أجرحك أو أزعلك، لكن مكنش ينفع أكذب عليكي، أنا هقولك واسمعيني كمعالجة نفسية" 


"اتفضل أنا سمعاك" 


"الموضوع و ما فيه أن مش قادر أخرج من حالتي النفسية من وقت موت ياسمين، جوايا إحساس بيقولي أن قلبها لسه بينبض وعايش، لأنها لو ماتت كان زمان ده مات هو كمان" 

كان يشير إلي موضع قلبه، حاولت أن تستمع إليه بعقلها وليس بقلبها حتي لا تحترق من الكلمات التي تخترق كل خلاياها 


"أنت عشان بتحبها أوي ومتعلق بيها فمش قادر تستوعب موتها، بقي عقلك و قلبك في صراع، عقلك عايزك تكمل حياتك طبيعي وقلبك معارض عقلك وعايزك تفضل أسير الذكريات، الحل لحالتك أو نقدر نقول العلاج المناسب أنك تسمع لعقلك" 


أخذ يحدق نحوها كالبحار التائه الذي يبحث عن مرسي قبل أن يغرق داخل ظلام المحيط 

"مسألة جوازي منك دي رغبة عقلي، مش نتيجة ضغط أخواتي عليا زي ما أنتي فاكرة" 


"و أنا مش هستسلم غير لما أخليها رغبة قلبك كمان" 

كلمات دارت في عقلها واحتفظت بها لنفسها ثم قالت بصوت مسموع

"بس أحياناً بتكون رغبات العقل نابعة من رغبات القلب من غير ما نحس" 


"ده لو في حالة تبادل الطرفين نفس المشاعر" 

» 


عادت من فلك ذاكرتها تخبر صديقتها

"ياسين ما بيحبنيش و لا هايحبني، أخوكي مهووس بمراته حتي بعد ما مماتت، هقولك علي حاجة بسيطة المفروض يبقي كان معايا النهاردة و أنا بشتري الفستان علي الأقل أحس منه باهتمام، لكن اتحجج أنه واقف مع العمال اللي بيشطبوا الشقة، الشقة اللي اشتراها من غير ما ياخد رأيي و لا يسألني عايزاها فين و لا شكلها إيه، ليه بيعمل معايا كدة؟، هو أنا وحشة يا ملك؟" 


شعرت ملك بالأسف حيالها لأنها الأقرب من شقيقها و تدرك أفعاله الغير لائقة، تنهدت ثم أشارت لها 

"قومي يلا أقلعي الفستان و غيري عقبال ما أحاسب ونروح نشربلنا حاجة في كافيه قريب من هنا بيعمل drinks حلوة أوي هاتعجبك" 


وبعد قليل داخل الكافيه... 

تنصت إلي صديقتها بإمعان دون أن تأخذ رشفة واحدة من المشروب الموضوع أمامها


"هحكيلك سر بس بالله عليكي أوعي ياسين يعرف أني قولته لك" 


أومأت إليها 

"اطمني عمري ما هقول علي حاجة آمنتيني عليها" 


تنهدت ملك وبدأت بوح من أحداث الماضي

"سبب حب وتعلق أخويا لياسمين الله يرحمها كان بسبب الندم"


عقدت الأخرى ما بين حاجبيها  ورددت بتعجب

"ندم!" 


"ياسمين زي ما أنتي عارفة كانت بتشتغل عندنا في القصر بعد وفاة باباها عم اسماعيل الجنايني، ياسمين كان ليها وضع خاص عند ماما و بابا كانوا بيعتبروها أمانة لحد ما تخلص تعليمها و تتجوز، ياسين أعجب بيها و هي كمان بادلته الإعجاب، بس كانت خايفة منه ليكون بيلعب بمشاعرها و تبقي زيها زي أي واحدة عرفها قبل كدة، قرب منها لفترة و فضل يطمنها أنه حبها بجد ومش بيتسلي و مستني يعمل مشروع الچيم و هيبقي أكبر center في مصر و يحقق حلمه في حاجة هو بيحبها ويكون ليه career خاص بيه وبعيد عن شغل بابي الله يرحمه و غير أنه يبقي مستقل بنفسه، لأن كان واثق بابي هيرفض جوازه من ياسمين ومحبش يتمارس عليه أي ضغط عشان يبعد عنها، و الدنيا ماشية تمام لحد ما حصل الماس والچيم ولع بكل حاجة فيه و ياسين خسر أكبر حلم كان يعتبر خلاص علي وشك أنه يتحقق، الوقت ده حرفياً كان من أسوأ أيام حياته حس بالضياع و اليأس و كل الدنيا اسودت في وشه، حتي فقد الأمل أنه هيتجوز ياسمين، كان كل يوم يروح النايت يسهر مع أصحابه و يرجع سكران، وهي افتكرته أنه بيضحك عليها و بيخونها و اللي حصل معاه خده حجة عشان يخلع من وعده ليها و في ليلة.... 


توقفت قليلاً عن الحديث، حثتها الأخرى علي المتابعة

"حصل إيه؟" 


ابتلعت ريقها بتوتر و أكملت

"اللي حصل دخلتله أوضته عشان تعاتبه و في لحظة شيطان أعتدي عليها" 


شهقت صديقتها وعقبت بصدمة وعينين متسعة 

"اغتصبها؟؟؟!" 


أومأت ملك بالإيجاب 

"للأسف ده اللي حصل، طبعاً كانت مصيبة كبيرة خصوصاً هي ما استحملتش اللي حصلها وحاولت تنتحر، أهلها عرفوا من واحدة اسمها علا كانت بتشتغل برضه في القصر، راحوا خدوها و كانوا هيجوزوها لابن عمها اللي متجوز و مخلف عشان يذلوها و كأن اللي حصلها كان بمزاجها مش هغصب عنها، ياسين و مصعب راحوا أنقذوها منهم ولما رجعت معاهم كتبوا الكتاب وبابي كان رافض لكن مامي كانت معاهم، طبعاً بابي هدده بحاجات كتير منها الحرمان من كل حاجة لكن أخويا اتحداه وبعد ما كتب عليها خدها وعاشوا برة القصر في الشقة اللي قاعد فيها حالياً" 


أطلقت زفرة عقب إلقاء هذا الحمل وإيضاح الصورة كاملة إلي صديقتها لكي تكون علي دراية بكل ما هو مبهم لها حول الرجل الذي سيصبح زوجها بعد عدة أيام قليلة، استطردت مرة أخرى

"طبعاً أنتي فاكرة حكايتهم انتهت بنهاية سعيدة و ان ابن الباشا أخيراً أتجوز ببنت الجنايني وعاشوا في تبات و نبات و خلفوا بنوتة زي القمر" 


ابتسامة يشوبها سئم 

"ياسمين من وقت ما اتجوزوا لحد يوم ما مشيت وحصلتلها الحادثة وهي و أخويا كانوا كل يوم خناق، هي تعند و هو يعند أكتر، و لا غيرته عليها لدرجة الخنقة، غير أنها مكنش عندها استقرار نفسي من كل اللي حصلها ديماً كانت ديماً بتحاول تثبت له أنها مش أقل منه، و مش عشان هو ابن الباشا يقعد يتحكم فيها و في شغلها، فضلت خناقتهم تكبر لحد ما هو فاض بيه و غصب عنه انفجر فيها قدامنا و قالها كلام عمري ما كنت أتوقع أنه يطلع منه برغم عشقه ليها" 


"عايرها باللي عمله فيها؟" 

كان سؤال رودينا، هزت الأخرى رأسها بنعم 

"و عايرها كمان بالفرق الاجتماعي اللي ما بينهم وأنها المفروض تحمد ربنا أنه اتجوزها واستحمل عشانها كتير" 


عادت رودينا بظهرها إلي الوراء 

"ياسين ارتكب أكبر غلط يمكن أكبر من غلطه زمان 

، أقرب تشبيه أنه فتح جرح الماضي وغرز فيه سكينة أكبر، تخيلي كم الوجع اللي سببه ليها هيبقي إيه؟" 


"و الله يا رودينا أنا اتخانقت معاه يومها، ياسمين أنا كنت أقرب واحدة ليها و كان كل ما يحصل مشكلة ما بينهم كنت بحاول أحلها علي قد ما أقدر، بس أحياناً الظروف بتكون أقوي مننا" 


نظرت الأخرى إلي الشارع في الخارج عبر الواجهة الزجاجية للكافيه 

"الحياة دي غريبة، يوم ما تديلك اللي بتتمنيه ما تديكيش معاه الراحة، لازم يبقي فيه عذاب و عدم راحة بال، أو تدفعي تمن مقابل اللي أخدتيه حتي لو كان التمن ده تعاستك، و برغم كدة بنكمل عشان عارفين لو بعدنا هنتعب أكتر، زي علاقة المدمن بالمخدرات بالظبط" 


مالت ملك بجذعها نحو الأمام لتخبر صديقتها بجدية

"و أنتي علاج ياسين من إدمانه من تعلقه بياسمين حتي بعد موتها، أخويا بيضيع نفسه بنفسه، عايش في الماضي و بيخسر روحه من غير ما يحس، زي التايه كوني أنتي المرسي ليه، خليه يرجع لحياته الطبيعية، أنا مش بقولك تعملي كدة و تيجي علي نفسك، بالعكس عايزاكي تكوني ذكية و تخليه يبدأ قصة جديدة تكوني أنتي البطلة فيها، تعيشوا مع بعض كل لحظة حب وسعادة من غير جراح الماضي" 


"و لو فشلت؟" 

سؤال نابع من العقل في حالة سبات قلبها، استمعت أذنيها إلي الإجابة

"أوعي تيأسي و خلي أملك في ربنا كبير، ياسين هيبقي جوزك يعني هيكون بينكم رباط قوي مشاعر وحياة زوجية متبادلة، مع الوقت و العِشرة هيحبك، حب أقوي من حب الأساطير اللي كنا بنسمعها في الحواديت، إيه يا رودي أنا اللي هنصحك يعني؟!، مش ده شغلك برضه و لا بتشتغليني؟!" 

أخذت تضحك بمزاح فتبادلت صديقتها الضحك حتي دمعت عينيها 


"ماشي يا ست ملك، هعديهالك عشان أخوكي" 


ضحكت الأخرى وأخبرتها بفكاهة 

"لاء خدي بالك أنا مش ملك صاحبتك الكيوت، أنا خلاص هبقي أخت جوزك، خدي بالك بقي"


"بتهدديني يعني؟!، أوك لما ترجع طنط چيچي بالسلامة هقولها، هي بتحبني جداً وهاتقف معايا علي طول و.... 


قاطعها رنين هاتفها وحينما رأت اسم المتصل، ابتسمت بسعادة وعلقت

"ده ياسين"


"ابن الحلال علي ذكره يبان" 

قالتها ملك، بينما الأخرى أجابت علي الإتصال

"كنا لسه في سيرتك أنا وملك" 


"أنتي عندها؟" 


"لاء إحنا برة في كافيه، كنا بنشتري فستان الفرح و لسه هنشتري شوية حاجات، أنا اتصلت عليك الصبح عشان اقولك لاقيتك ماردتش عليا" 


"معلش كنت مشغول مع العمال لأنه كان آخر يوم في تشطيب الشقة، وكلمتك عشان أقولك تقدري تيجي تشوفيها وننزل نروح نختار الفرش اللي أنتي عايزاه" 


"خلاص أنا و ملك جايين دلوقتي، محتاج أي حاجة نجبهالك و إحنا جايين؟" 


"لاء، قصدي شكراً، اه صح هابعتلك الـ location " 


غصة أصابت قلبها من هذا الجفاء، تظاهرت أمام صديقتها بالفرح 

"تمام، مسافة السكة و هتلاقينا عندك، باي" 


"سلام" 

أنهت المكالمة ونهضت فسألتها ملك

"هنروح له فين؟" 


أجابت بين السخرية والمزاح

"رايحة أشوف شقتنا" 


و قد كان ذهبت مع صديقتها بعد أن استقلت كلتيهما سيارة الأولى، لاحظت رودينا طوال المسافة أن تلك الطرق التي تعبرها بسيارتها تحفظها جيداً، نبضات قلبها تزداد لاسيما عند وصولها لدي الموقع المرسل إليها، ترجلت من السيارة و تبعتها ملك التي سألت بتعجب

"ده البرج اللي فيه شقة ياسين!، متأكدة أن ده الـ location اللي بعته لك؟" 


نظرت في شاشة الهاتف للتأكد 

"أيوة هو" 


ولجت إلي داخل الفناء، ابتسم الحارس لها وكأن لديه علم بمجئ كلتيهما، استقلت المصعد و معها الأخرى حتي توقف في الطابق الذي يقطن به خطيبها، خرجت من المصعد وتجري الإتصال به فسمعت صوته وهو ينادي عليهما ويشير لهما من الشقة المقابلة لمنزله الأخر أو الشقة التي شاهدت علي أيامه مع زوجته الأولي! 

                    ༺※※※༻

يقف طه أمام الباب الرئيسي ينفث دخان لفافة التبغ التي تحترق بين اصبعيه، يتابع المارة أمام المشفى، لفت انتباهه التي تنزل من السيارة و تمسك بساعدها برفقتها فتاة شابة يبدو أنها صديقتها. 


ألقي اللفافة علي الأرض ودهس إياها بحذائه ثم ذهب إلي تلك الحسناء يسألها بقلق

"روميساء؟، ماله دراعك حصله إيه؟" 


كانت تجز علي شفتها السفلي بألم و تمسك بساعدها المصاب و المحمول علي طوق طبي يلف حول عنقها، كانت صديقتها ستخبره لكن نظرت إليها روميساء بتحذير فأجابت الأخرى

"كانت، كانت في سيشن تصوير، و، ووقعت علي دراعها فضلت  يا عيني تصرخ جامد" 


لم تتحمل الألم فاجهشت في البكاء

"اه يا طه، دراعي مش قادرة شكله أتكسر" 


وسألته صديقتها

"أنت تعرف دكتور العظام اللي هنا فين؟" 


"أدخلوا جوه أنا جاي معاكم" 


يبدو أنه قد نسي سبب وجوده هنا و أنه ليس بمفرده و إذا علمت زوجته بما يفعله ستجعله هو من يتألم بدلاً من جارته الحسناء. 


توقف أمام باب مغلق و مدون علي لوحة صغيرة خارجه «عيادة العظام» 


"اتفضلوا أنتم هنا استريحوا لما أدخل أسأل و أشوف الدكتور جوه و لا لاء" 


وجد الطبيب بالفعل، و يقوم الأخر بفحص ساعدها المتورم، لاحظ آثار أنامل يبدو كانت تقبض علي ساعدها بقوة شديدة فتركت آثار وكدمات داكنة اللون

"آنسة روميساء، حضرتك متأكدة أن اللي حصل لدراعك ده نتيجة وقوع عليه و لا حد مسكك منه و حاول كسره عن عمد؟، عشان لو بفعل معتدي هكتبلك تقرير طبي تعملي بيه محضر" 


نظرت إلي صديقتها و إلي طه ثم أخبرت الطبيب

"لاء أنا وقعت فعلاً و فضلت ماسكة في دراعي جامد من الوجع" 


حدق الطبيب بنظرة غير مصدق إلي حديثها الذي يبدو كذباً لا سيما عند ذهاب بصره نحو طه 

"أنت جوزها؟" 


أجاب الأخر

"لاء،  أنا... 


قاطعته روميساء التي تكبت ألمها الغير محتمل

"أستاذ طه يبقي جاري"


"طيب، أنتي كدة هاتروحي لقسم الأشعة و هاتعملي أشعة علي دراعك و تجيبوا الصورة و ترجعوا علي هنا" 


و بعد قليل... 

يقف أمام باب غرفة الأشعة ينتظرها و جواره صديقتها، صدح رنين هاتفها فنهضت وأخبرته

"معلش يا أستاذ طه، ممكن تستناها لحد ما أخلص التليفون" 


أومأ لها برأسه

"اتفضلي، أنا مستنيها" 


فُتح الباب وظهرت روميساء، ما زالت تتألم ودموعها تنساب علي وجنتيها، نهض طه مقترباً نحوها يخبرها بمواساة 

"ألف سلامة عليكي" 


توقفت عن البكاء 

"تسلم يا طه" 

جال بصرها باحثة عن رفيقتها فسألته

"أومال فين مي صاحبتي؟" 


"معاها مكالمة وجاية" 

حاولت فتح حقيبة يدها المعلقة علي كتفها فأنزلق حزامها الجلدي ووقعت علي الأرض، كانت ستدنو منها فأوقفها

"خليكي" 


"معلش يا طه ممكن تطلعلي المناديل؟" 


نظر إليها وإلي حمرة وجنتيها وأنفها من البكاء، زادتها تلك الحمرة جمالاً، ابتسمت له وكررت طلبها

"المناديل يا طه" 


غر فاه 

"ها؟، اه آسف" 

أخرج علبة المحارم الورقية، أخرج لها محرمة وأعطاها إياه، فأخذت تجفف دموعها وسيل أنفها من أثر البكاء

"thank you " 


ابتسم إليها و رد بحرج و خجل

"العفو" 

مد يده بالحقيبة إليها لتحملها علي كتفها مجدداً

"معلش، ممكن تلبسني الشنطة cross" 


حمحم وسألها

"أعلقهالك علي دراعك يعني و لا إيه؟" 


"تعلقهالي بالعكس" 

و أشارت لموضعها علي جذعها، أومأ إليها 

"فهمت، معلش أصلي مليش في مسميات اللبس بتاعكم" 


ضحكت برغم ألمها

"ليه دي كلها مسميات سهلة جداً، هابقي هحفظهالك، ممكن تعلقها لي بقي" 


قام بتعليقها لها وكان علي مقربة منها، لم ينتبه إلي ساعدها المصاب حيث اصطدمت يده به فتأوهت و أمسكت في ذراعه

"ااه" 


"آسف مكنش قصدي، مش عارف إزاي خبطك"


"آنسة روميساء"  

قالها فني الأشعة، ألتفت إليه و تمسك في ذراع طه الذي يشعر بتيار كهربائي يسري في إنحاء جسده بمجرد قربها من جواره و يدها تتشبث بساعده 


و لدي الطبيب، انتهي للتو من إحكام الجص حول ساعدها ثم دون لها الأدوية الخاصة لحالتها، خرجت من العيادة و طه ينتظرهما

"متشكرة جداً يا طه، علي وقفتك معايا و ماسبتنيش من وقت ما جينا و كشفت، عملت الأشعة و حتي والدكتور بيجبس دراعي، مش عارفة أشكرك أزاي؟" 


"عيب تقولي كدة، ده حتي الجيران لبعضيها، ولو محتاجة أي حاجة أنا تحت أمرك" 


"إيه ده أنتي خلصتي؟" 

صوت صديقتها التي وصلت للتو، سألتها روميساء بتوبيخ

"إيه كل ده فينك من ساعة ما خرجت من الأشعة و مالقتش سيادتك" 


"كان معايا مكالمة مهمة وخلصتها، و روحت عديت علي الحسابات لاقيتهم بيقولولي أن" 

نظرت إلي طه ثم إلي روميساء

"قالوا لي أن أستاذ طه دفع كل الحساب" 


ألتفت الأخرى إليه حدقت بامتعاض

"ليه بس كدة يا طه؟" 


"دي حاجة بسيطة و مش مستاهلة، أنتي زي خديجة أختي، هي هنا من إمبارح عملولها استئصال المرارة" 


"ألف سلامة عليها، عشان كدة من إمبارح ماشوفتكش واقف في البالكونة، طيب ممكن تاخدني ليها أسلم عليها؟" 


"لاء" 

صاح بها بصوت مرتفع بعد أن تذكر أمر زوجته ثم اخفض صوته قليلاً وتابع

"قصدي مش هاينفع، أصل الدكتور مديلها مسكن وزمانها نايمة، أنا هابقي أبلغها سلامي" 


كانت صديقة روميساء تتابع الحديث بين الأخرى و جارها، ابتسمت و لكزت صديقتها دون أن يلاحظ طه، همست إليها

"مش يلا بقي و لا ناوية تقعدي تستني أخته؟" 


ابتسمت روميساء فاخبرته

"شكراً مرة تانية يا طه، و ما تنساش تسلملي علي أختك" 


"يوصل إن شاء الله، عن أذنكم" 

ذهب ولن ينتبه إلي محفظة نقوده التي أنزلقت من بين يده وهاتفه، لكن من لاحظت إياها التي تدعو مي، دنت من المحفظة وأمسكت بها 

"ألحقي يا روميساء، جارك وقعت منه المحافظة" 


أخذتها من يدها وابتسمت بخبث ودهاء

"أنا هاروح أوديهاله، استنيني برة لحد ما أرجعلك" 


"أنتي رايحة له فين؟" 


"بيقولك أخته لسه عملة عملية فبالتأكيد مراته معاهم، و الهانم غلطت في حقي جامد، أنا بقي هردلها القلم قلمين و مابقاش روميساء إلا و أنا خليتها تندم علي كل حرف قالته لي" 


                  ༺※※※༻


كان قد صعد إلي الطابق الخاص بغرف العناية بالمرضي بعد العمليات، وجد شقيقته تستند علي يد زوجته و تسير بتؤدة، مد آدم يده ليمسك بيدها و يسندها لكن جذبت خاصتها 

"ما تلمسنيش و أبعد عني" 


أسرع طه في معالجة الموقف، ضحكة زائفة يتبعها قوله

"معلش يا ابن عمي، البنج لسه مأثر عليها" 


رفعت شيماء زاوية فمها جانباً بتهكم ثم سألت زوجها

"كنت فين كل ده يا أستاذ؟" 


أمسك يد شقيقته ليسندها و يخبر زوجته بتوتر

"كنت، كنت بشرب سجاير و... 


قاطعه صوت جارته الحسناء التي صعدت للتو بعد أن علمت من احدي الممرضات عن الغرفة التي توجد بها خديجة


"طه، محفظتك وقعت منك تحت و مي صاحبتي لاقتها" 

و نظرت إلي خديجة متجاهلة شيماء التي تقف كالمياه داخل المرجل المشتعل، تفور من الغيظ. 


"حضرتك خديجة أخت طه؟، ألف سلامة عليكي" 


نظرت خديجة إلي شقيقها ثم أومأت بنعم إليها 

"تسلمي" 


مدت يدها لمصافحة خديجة غير مكترثة لنظرة طه التحذيرية، يخشي أن تتفوه بكلمة لكن كما قالت الحكمة سبق السيف العزل


"أنا روميساء، جارة طه و ساكنة في الشقة اللي جمبه، و زي ما أنتم شايفين دراعي في الجبس، أصل وقعت عليه و جيت علي هنا لاقيت طه ربنا يخليه، أول ما شافني ما سبنيش برغم كانت معايا مي صاحبتي، دخلنا للدكتور الأول بعدها الأشعة وبعدها رجعنا للدكتور تاني عشان يجبس دراعي، كل ده و طه ماسبناش و لا لحظة" 


ألتفت إلي شيماء و ابتسامة داهية علي ثغرها تصل من الأذن للأذن، يليها صفعة أخرى من الصدمات

"ربنا يباركلك يا مدام شيماء في جوزك، بجد مفيش زيه في الزمن ده، تصدقي لما صاحبتي راحت تدفع الحساب لاقته مدفوع و عرفت أن طه اللي دفعه بالكامل" 

وضعت يدها في حقيبتها وأخرجت ورقات نقدية ومدت يدها بها إليه

"أنا جيت عشان أزور أختك و أقولها حمدالله علي السلامة و جيتلك عشان أرجعلك فلوسك، أنا كدة كدة معايا الفيزا والحال ميسور الحمدلله" 


لم يرفع يده ليأخذ النقود فكان في حالة لا يحسد عليها، بينما مدت شيماء يدها وأخذت منها المال و علي نقيض توقع الجميع كان ردها ما يلي

"خليهم لك يا حبيبتي، هو طه جوزي حبيبي طول عمره جدع وشهم مع جيرانه و أصحابه، و كان نادر أول ما تقوم أخته بالسلامة هيطلع حاجة لله، و طلعتي صاحبة النصيب، ألف سلامة علي دراعك" 


وعقبت داخل عقلها

"عقبال دراعك التاني و اللي هاكسره لك إن شاء الله بعد ما أصفي حسابي مع البيه جوزي، صبركم عليا يا ولاد الـ..... " 


ابتسامة نصر لدي روميساء تتراقص علي ثغرها، تدرك جيداً ما تمر به شيماء للتو رغماً من الهدوء التي تتظاهر به والإهانة التي برمتها، أمسكت بيد طه أمامهم جميعاً وتركت النقود في كفه. 


"خلي الصدقة لحد محتاجها، معلش مضطرة أستأذن، أصل صاحبتي مستنياني تحت و زمانها طلبت تاكسي، باي" 


همس آدم إلي طه بسخرية يشوبها الكوميديا

"و كنت بتلومني لما حكيتلك علي اللي حصل معايا و أنت طلعت مقضيها مع جارتك، حافظ الشهادتين و لا أقولهم لك؟" 


لوحت الجارة الحسناء بيدها إليهم و غادرت المكان بعد أن أشعلت فتيل الحرب و المعركة علي وشك النشوب! 

                  

                    ༺※※※༻

هدأت العاصفة واستلقي كليهما جوار بعضهما، تنظر إلي الفراغ بفم مفتوح، تحاول إدراك ما حدث منذ قليل، استسلامها و رفع راية الحب علي أسوار مدينتها جعلته يعتلي كرسي عرش قلبها فاصبح هو الحاكم والعاشق والفارس الذي في يديه لجام الفرسة التي كان صعب ترويضها سابقاً حتي تمكن من ذلك باهداء فؤاده لها بين يديها. 


تقلب علي جانبه و رفع ذراعه العاري مثل جذعه وبقية جسده المدثر، أمسك بعض من خصلات شعرها وقام بتحريك أطرافها الناعمة علي خدها

"هاتفضلي مبحلقة في السقف كدة كتير؟" 


حركت عينيها نحوه وابتسمت ثم أخبرته

"أنا حاسة أن بحلم" 


ترك خصلاتها وأمسك يدها وقام بتقبيل ظهر كفها

"طول ما أنتي معايا هخليكي تعيشي حلم و واقع و خيال، أهم حاجة تكوني مبسوطة" 


تقلبت علي جانبها لتصبح مقابلة له وعينيها تخبره بكل ما يحمله قلبها و يدور في رأسها

"لو قولت لك أنا حاسه بإيه مش هتصدقني، فرحة المهاجر اللي أجبرته الحرب يسيب وطنه و لما أتحرر الوطن رجع ليه" 


اتسعت ابتسامته و لا يقل حال قلبه عن حال فمه

"ده أنتي طلعتي بتقولي خواطر و تشبيهات جميلة زي روحك و كل حاجة فيكي" 


وضعت كفها علي صدره، تحدق إليه بعشق وهيام

"أنت اللي روحك و كل حاجة فيك حلوة يا أحمد، بالرغم كنت تبان قاسي من أول يوم شوفتك، لكن طلعت القسوة مجرد قناع مخبي وراه قلب أبيض وحنين، و كنت بتحبني من قبل ما تتجوزني، لأني كنت شايفة نظرات حبك ليا كل ما أبص في عينيك، أصل العيون بتحكي اللي ما تقدرش تقوله الشفايف"


وضع كفه علي وجنتها يشعر بملمسها الناعم المياس، يحرك طرف ابهامه علي شفتيها و عينيه تخبرها الكثير و الكثير من المشاعر، سألته عندما طال صمته

"ساكت ليه؟" 


ابتسم مرة أخرى و رأت في عينيه ما هو مقبل عليه، مد ذراعه أسفل رأسها ليصبح وجهها صوب وجهه، يمسك طرف ذقنها و يجيب علي سؤالها

"الشفايف زي ما بنعبر بيها علي اللي جوانا بالكلام بنقدر برضه نعمل بيها حاجات كتير و من أهمها الفعل زي كدة بالظبط" 

اقترب بشفاه وأنفاسه تسبقه، عينيها تفيض بالعشق وخاصته تنضح بالتيم، و هو أعلي الدرجات التي يصل إليها فؤاد العاشق، يشعر بالدفء حينما تلاحمت الشَفاه في معركة أسلحتها سهام الحب التي تراشقت في قلبين هذان العاشقان. 


لم يشعر كليهما بصوت مقبض باب الغرفة، يتحرك ببطىء فانفتح الباب و ظهرت قدمان ترتدي صاحبتها حذاء أسود ذو كعب مرتفع، تسمرت في مكانها عندما رأت ابنها غارقاً في بحور عشق الخادمة التي انجبت من شقيقه  سِفاحاً وقام زوجها بتصحيح هذا الوضع و جعلها زوجة ابنه الذي كان قد توفى، و كل ذلك تم عبر الأوراق الرسمية ليصبح ابن ولده حفيده الشرعي و قبل وفاته قام بكتابة كل أملاكه باسم الحفيد، لم يكن يعلم حينها أن تلك الأفعي الشيطانة زوجته و أم ولديه لن تظل مكتوفة الأيدي، قامت بالتخطيط كلاعب الشطرنج، تراهن علي الفوز بتحريك الحصان، و كانت لا تدري أن هذا الحصان سيقع في عشق أنثاه و يحميها من بطشها بل ويخبئها في مأمن بعيداً عن أذرع شرها، و بذلك سيضرب كل ما خططت إليه في عرض كل الجدران التي ظلت حبيسة داخلها لأيام قبل أن تعلم بعنوان هذا المنزل من أحد رجالها المخلصين. 


أبيضت مفاصل أنامل يدها التي تمسك بمقبض الباب، صاحت و كأن تمسك نجلها بالجرم المشهود مع زوجته!!

"أحمد؟" 


انتفض كليهما و ردد ابنها 

"ماما!" 

تشبثت علا بالغطاء عليها تداري ذراعيها و كتفيها العاريين، لن تقل مفاجأة عن أحمد الذي يحدق إلي والدته بنظرة آتية من قاع الجحيم...... 


يتبع....


Weaam Medhat
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع روايات سلمى سمير .

جديد قسم :

إرسال تعليق