«قبل ما نبدأ القراءة أحب أقولكم أنتم واحشيني أوي أوي، اللي متابع في نزول المنشورات من وقت العيد لحد الآن أدمن رحاب تسلم إيديها علي متابعتها للصفحة في ظل غيابي و علي تصميمتها الرائعة و منشوراتها الكوميدية
سبب ظروف غيابي هشرحه ليكم بإذن الله في بوست منفصل، ملحوظة أخيرة الفصل من 7500 كلمة و الفيس ما بيسمحش بعدد الكلمات دي كلها في منشور واحد فأنا هنزلهلكم علي جزأين لكن علي الواتباد و التليجرام هينزل علي بعضه، مش هطول عليكم و أسيبكم تقرأوا و ماتنسوش التفاعل وآرائكم في احداث الفصل و إيه توقعاتكم للجاي»
•••••••
ليس كل ما نتمناه مُتاح، وليس كل ما نريد قوله مُباح، وإذا صدقت الحياة و حققت لك ما تريده فعليك تُعد نفسك لطعنة غدر سوف تصيبك باجتياح.
قد مرت أيام لا نعلم كم عددها، فكان الهدوء والسكون عنوانها، و ربما هدنة تحمل في طياتها استعداداً للقادم، و ما أدراك ما القادم!
ضوء ينبعث من المصابيح الدائرية التي تحيط إطار المرآة، يتسلط نورها علي ملامح وجهها المزين بالقليل من مساحيق التجميل، فهي ليست بالحاجة إليها حتي لو أصبح عمرها علي مشارف الثلاثون عاماً، فمنذ أن أصبحت مراهقة و طرق الحب باب فؤادها، حينها لم ترَ سواه، كم جفا النوم عينيها وتركها أسيرة أفكارها التي تنحصر في جملة واحدة
-كيف أجعله يُحبُني؟- ، لكن تلاشت الأجوبة عندما تردد أمامها مغامراته مع الفتيات، كانت كل قصة له بمثابة سهم مارق اخترق قلبها الذي يحبه، تكاثرت الجروح و نزفت الكثير، و عند علمها بإنه اكتفي عن دور كازانوفا و ربما زهد العلاقات العابرة، تجدد لديها الأمل، هيهات وعلمت بخبر زواجه الغريب والعجيب في آن واحد، تزوج من ابنة عامل الحديقة، تعلم التواضع من شيمه لكن ليس إلي هذا الحد!
لكن ما سُرد إليها من قِبلّ صديقتها أنه تزوج ابنة عامل الحديقة لأنه يحبها بل و يعشقها، و كيف قام بتحدي والده الذي رفض حينها ذلك الزواج لأنه دون مستوي العائلة كما هو في عُرف عزيز البحيري، سمعت عن محاولة إنتحار تم الزواج بعدها من غير حفل زفاف، رحيله مع زوجته من منزل العائلة، كل هذا و ذاك جعلها تضع يدها علي جراحها و توصد فؤادها علي حب قد بعثرته الرياح هباءً.
محاولات عدة من رجال من محيط الأقرباء والمعارف و داخل مجالها، كلما اقترب احدهم منها حاقت نفسها بألف حصن وحصن، أسوار صعبة الاختراق، حاصرت نفسها بين الدراسة والأوراق يليها عمل انخرطت بين طياته، حتي علمت خلال حوار بينها و بين صديقتها بما حدث لزوجة شقيقها، و كم هو أمر مفجع قد أصابهم بالحزن الشديد، صدي صوت قلبها تردد داخلها، يخبرها عليها المحاولة الأخيرة، كفي استسلام لسنوات من المُحال أن تُعوض مرة أخري، فهي كالمحارب الذي أعد كل ما لديه من عتاد وقوة، عليها بالظفر بحبه حتي لو كان عاشق لماضي قد فارقه، عزمت علي إحياء فؤاده للعشق من جديد، ستخترق حصونه وتهدم قراميدها لتولج إلي محرابه و تتربع علي عرش قلبه.
طرق علي الباب تعلم مَنْ هي صاحبته، عادت من شرودها تعطي الإذن
"أتفضلي يا مامي"
فتحت والدتها الباب، فهي إمرأة في منتصف الخمسينات، ذات ملامح صارمة، سيدة استقراطية، صعبة المراس، لن تهدأ سوي أن تنفذ رغبتها هي حتي لو تعارضت مع رغبة زوجها أو ابنتها.
كانت تنظر إلي ابنتها في صمت، و ملامح وجهها التي تخبر الأخرى عن رفض تام لتلك الزيجة، و ما أكثر ما تخفيه الصدور فتأتي العيون و تبوح به.
"برضو مصممة تتجوزيه؟"
نهضت من المقعد المخملي واقتربت من والدتها لتخبرها بإصرار وثقة يشوبها التحدي لهذا الرفض في عينين الأخرى.
"أيوه يا ماما هتجوزه، و وفري علي حضرتك أي محاولة أنك تخليني أغير رأيي، خلاص دي فرصتي الأخيرة و جت لحد عندي، مضيعهاش زي ضيعت سنين قبلها"
ابتسامة ساخرة علي فم والدتها المرفوع جانباً بزاوية يتبعها نبرة هازئة
"أنتي لما كلمتينا إننا نرجع مصر ضروري قولت حصلت مصيبة، و لما وصلنا إمبارح و عرفت من أبوكي اللي بتحكيله أسرارك كالعادة و بتخبيها عليا، حمدت ربنا إنك بخير، بس فعلاً فيه مصيبة، والمصيبة إنك ضيعتي سنين من عمرك ورا سراب وأخرتها عايزة تتجوزيه بعد ما بقي راجل متجوز و عنده كمان بنت"
ولت ظهرها إلي والدتها تتهرب من مواجهة النظر مباشرة إليها
"كان متجوز، و اللي كان متجوزها توفت، و مش شايفة إنها حاجة تعيبه، و بالنسبة لبنته ربنا يعلم أنا بحبها قد إيه، و هي كمان بتحبني جداً لدرجة ساعات بتناديني ماما رودي"
"أنتي بتضحكي عليا و لا علي نفسك يا رودينا؟!، أنتي عارفة و متأكدة إنه هيتجوزك عشان بنته و عشان الجواز نفسه، و يا عالم يمكن أهله قالوا له كفاية عليك سنتين حداد علي مراتك، و هو زيه زي أي راجل ليه احتياجات، يعني أنتي هتبقي بالنسبة له واحدة جميلة فيها كل مواصفات أي راجل يتمناها، لاء و كمان واثق إنك عايشة علي حبك ليه واللي من طرف واحد"
كلمات بمثابة ترددات تيار كهربائي يصعقها كل حين و آخر، تحصنت بدفعة من الأمل الذي تتشبث به، استدارت وحدقت بثقة تنبع من عزيمة تأبى الرجوع والاستسلام
"حضرتك ما تعرفيش ياسين زي ما أنا عارفاه، و لو كان عايزني عشان بنته كان جابلها ناني أحسن، إما بالنسبة لموضوع إنه هيتجوزني عشان احتياجه، اعتقاد غلط من حضرتك، اللي خلاه سنتين من غير جواز عايش علي ذكري أم بنته، يخليه ممكن يفضل كدة علي طول، مش يمكن قلبه بدأ يحس بيا وجوازنا يبقي بداية قصة حبنا؟!"
احتمالات من نتاج تفكير ضاري طوال الليالي المنصرمة أفقدها النوم، مازالت تتشبث بالأمل مهما قيل لها من حقائق يرفضها قلبها بشدة.
"قصة حبكم!، طول عمرك عنيدة و عمرك ما بتسمعي كلامك، باباكي دلعك و بينفذلك كل طلباتك لأنه ما بيحبش يشوفك زعلانة، ما يعرفش إنه كدة بيضرك و بيساعدك تدمري نفسك بنفسك"
تعجُب والدتها و تصريحها بحقائق لا يشوبها الكذب جعل الأخرى ترفع درع الدفاع أمام كل ما يطفئ بارقة الأمل لديها
"بابي عمره ما ضرني، بالعكس هو بيحبني و بيخاف علي مشاعري، بحكي له أسراري لأنه فاهمني، غير حضرتك خالص، دايماً عايزه كلامك يتنفذ من غير جدال، عمرك ما سألتيني مالك أو أتكلمتي معايا زي أي أم بتتكلم مع بنتها، و العجيبة كل نفس ليا بيكون عندك علم بيه"
صمتت للحظات تلتقط أنفاسها لتتابع صد الهجوم بالدفاع
"أنا عارفة سبب رفضك لجوازي من ياسين مش عشان كل اللي قولتيه، السبب الرئيسي و اللي كتير حاولتي تقنعيني بيه باللين أو بالشدة، هو رفضي لرحيم ابن أختك، و علي طول مشيلاني ذنبه كأني ضربته علي إيديه و قولتله حبني!"
و علي نقيض ما كانت تتوقع من سخط و غضب من والدتها سمعت ضحكة هازئة بالطبع يتبعها قولها الجاد وكأنها لم تكن تضحك تواً
"الحاجة الوحيدة اللي خدتيها مني، لما تلاقي الحوار هيدينك تقومي قالبه الطربيزة و تخلي اللي قدامك هو الغلطان مش أنتي"
سارت نحو كرسي طاولة الزينة وجلست بزهو واضعة ساق فوق أخري، تسطرد
"مش ده رحيم اللي كل ما كنتي بتزعلي أو بتضايقي تروحي تحكي له عن مشاكلك و هو يقف جمبك!، مش ده برضو يوم ما قررتي تسافري و تدرسي بره و أنا رفضت عشان عارفة إنك بتهربي، خلتيه يكلمني و يقنعني أوافق، دلوقتي بقي ابن أختي وبس؟!"
عقدت ساعديها أمام صدرها لتخبرها
"هو أنا عشان بعتبره أخويا وكنت بلجأ له يبقي خلاص لازم احبه و اتجوزه؟!، رحيم راجل محترم و لما اتكلم معايا وقالي علي مشاعره من ناحيتي قولتله أنا طول عمري بعتبرك زي أخويا، أحترم ردي و أختار يبعد عشان عارف أنه بعد ما اعترفلي باللي جواه ما ينفعش نقرب تاني من بعض"
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها
"و للأسف زي ما أنتي عايشة علي أمل حب ياسين ليكي، رحيم كمان عايش علي أمل إنك تحبيه زي ما بيحبك، لكن جوازك من أخو صاحبتك هيخليكي تخسريه ده غير ما هتخسري كل حاجة تانية"
قد شعرت بالضجر أو قاربت طاقتها علي الانتهاء، صفحات قامت بطيها فتعود والدتها لفتحها من جديد، لذا ألتزمت الصمت لثوانٍ حتي جاء صوت الخادمة من الخارج.
"مدام شاهيناز، الضيوف وصلوا و قعدوا في الصالون مع مهاب بيه"
و كأن ما أخبرتهما به الخادمة طوق النجاة لرودينا التي أسرعت في المغادرة و كادت تخرج من باب الغرفة، أوقفتها والدتها بنبرة لا تحمل المزاح
"لو أتجوزتي ياسين البحيري، أنسي إن هقف جمبك زي أي أم في فرح بنتها"
رفعت جانب فمها بسخرية
"و من أمتي و حضرتك بتقفي جمبي؟!، كفاية بابي اللي هايكون جمبي في يوم زي ده"
و دون أن تلتفت إلي الأخرى مضت إلي الخارج، لا تعلم أن ما ألقته من ردٍ مجحفاً جعل والدتها أكثر إصراراً و تحدياً لما عزمت عليه بصوت لا يسمعه أحد سواها
"ما بقاش أنا شاهيناز لو الجوازة دي تمت، و لو تمت هتخليني اضطر استخدم لآخر أسلوب مكنتش حابة ألجأ له، بس أنتي اللي جبتيه لنفسك يا رودينا"
༺※※※༻
"الفيلا نورت بيكم يا قصي بيه"
كان قول والد رودينا و في نفس اللحظات كانت الخادمة تقدم إلي كل من قصي و آدم وياسين العصائر والحلوى.
رد الأخر بابتسامة ود
"تسلم يا مهاب بيه، البيت منور بأهله"
عقب آدم الذي علي معرفة سابقة بوالد رودينا وذلك من خلال صداقتها بشقيقته و الأمر الأخر ما سيخبر به أخيه للتو
"مهاب بيه غني عن التعريف، كان هو وبابا الله يرحمه دايماً كانوا مع بعض في كل مزاد للمناقصات، و قبل المزاد كانوا بيتفقوا مع بعض إن مرة ترسي عليه و مرة ترسي علي بابا من غير ما حد يحس من أصحاب الشركات المنافسة إن ما بينهم إتفاق"
ضحك مهاب معقباً
"و كان عابد الرفاعي من أشد المنافسين ليه، كل ما كان يحضر مزاد و ترسي علي والدك كان هايتجنن، بصراحة عابد كان منفسن منه برغم علي حد علمي إنهم قرايب"
حمحم آدم بحرج، تبادل النظر بينه و بين قصي ثم أخبر مهاب
"عابد بيه يبقي حما قصي"
و أكمل ياسين الذي كان يلتزم الصمت
"و يبقي جوز ماما"
احتقن وجه مهاب بالدماء حرجاً وخجلاً، حمحم فقال
"بعتذر يا جماعة لو أتكلمت بحسن نية"
ابتسم قصي وأخبره دون عتاب
"و لا يهمك يا مهاب بيه"
ترك كأس العصير علي المنضدة وجلس معتدلاً مردفاً
"بما أن حضرتك كنت علي معرفة قريبة بالعيلة، فأنا و أخواتي جايين نطلب إيد الآنسة رودينا علي سنة الله و رسوله لياسين"
ابتسم مهاب وبدت السعادة علي وجهه، فهو يعلم طباع ابناء البحيري من خلال وسط سوق الأعمال، لا غبار عليهم و من أقوي الشركات محلياً و علي مستوي الشرق الأوسط.
"شرف ليا و يسعدني طبعاً إننا نبقي نسايب، و رودينا قبل ما نرجع أنا و مامتها من كندا كلمتنا و أدتنا خلفية عن الوضع و ظروف أستاذ ياسين"
و ما أن بدء الرجل يأتي بذكر الظرف الخاص بياسين، شعر الآخر بالضيق و الضجر، لا يريد الخوض في حديث ليس من شأن أحد التحدث فيه، بينما رودينا كانت تختبئ علي مقربة منهم ريثما يناديها والدها.
تدخل قصي ليطمأنه
"ما تقلقش يا مهاب بيه، ياسين بالتأكيد هيحط بنت حضرتك في عينيه"
أضاف ياسين علي حديث شقيقه قائلاً
"أطمن يا مهاب بيه، كل اللي هيبقي ما بيني و بينها ود و إحترام، أنا ما بحبش المشاكل و عايز أعيش في سلام و هدوء"
حمحم مهاب ثم أخبره
"و أنا واثق هتعاملها بما يرضي الله، لكن معلش اعذرني أنا راجل ابن سوق، بدأت البيزنس بتاعي من الصفر يعني بالبلدي الدنيا علمتني حاجات من أهمها مفيش شىء مضمون مية في المية، يعني لو نسبة الضمان 90٪ يبقي الـ 10٪ الباقين مفيش ضمان، و بصراحة عايز أضمن لبنتي حقوقها و هي معاك أو لا قدر الله لو أنفصلتوا"
عقب ياسين بجدية
"اللي هتطلبه حضرتك أنا تحت أمرك فيه، مهر مؤخر، مش هنختلف إن شاء الله"
عاد الأخر بظهره إلي ظهر المقعد بأريحية
"أنا آخر همي الفلوس يا ياسين، زي ما أنت عارف رودينا بنتي الوحيدة اللي مليش غيرها، كل أملاكي و فلوسي و شركاتي بتاعتها، يعني مش محتاجة أي حاجة، أنا كلامي عن أنه يكون جوازك منها مش مجرد وجود ست في حياتك عشان تلبي احتياجاتك، أنا عايزك تعاملها بمودة و رحمة و ما تظلمهاش، يعني لو جتلي في يوم بتعيط منك مش هقولك إيه اللي هعمله وقتها"
أخبره قصي قبل أن ينفذ صبر أخيه
"إحنا طبعاً فاهمين قصدك، و بقولها لحضرتك للمرة التانية، ياسين هيحطها في عينيه، و مع العِشرة والأيام هيجي الحب"
تبدلت ملامح الأخر من الجدية إلي ابتسامة خلفها اطمئنان علي ابنته فقال لهم بسعادة
"حيث بقي كدة مافضلش غير إننا نقرأ الفاتحة، بس ننادي علي العروسة الأول"
قام بالنداء علي احدى الخادمات ليخبرها بالذهاب إلي ابنته التي ظهرت علي الفور، تسير نحوهم علي استحياء، ألقت تحية السلام و ردد جميعهم التحية، جلست علي المقعد المجاور لوالدها، قلبها يخفق بشدة، انتبهت إلي والدها يسألها
"ها يا رودي، ليكي أي طلبات قبل ما نقرأ الفاتحة؟"
رفعت وجهها تنظر إلي ياسين الذي تهرب من النظر إليها و تظاهر بشرب العصير، داهم سمعها الداخلي كلمات والدتها التي تركت أثرها بالفعل داخلها، و ها هي تري فراره من النظر إليها و يجلس كمن يقوم بمهمة ليست بالأمر الهام!
"لاء يا بابي"
ابتسم إليها والدها ثم نظر إلي ياسين و شقيقيه
"علي خيرالله، نقرأ الفاتحة"
"لسه الإتفاق ماخلصش"
كاد يقرأون الفاتحة وأوقفهم صوت والدة رودينا، حدق إليها زوجها بتحذير، نهض كلا من قصي وآدم وياسين احتراماً إليها
"شاهيناز هانم، المدام"
قالها مهاب ويدعو في سره أن لا تخرب سعادة ابنتها التي ترتجف من رد فعل والدتها
"أهلاً وسهلاً بحضرتك"
قالها الثلاثة أشقاء، اكتفت بإيماءه و نظرة قام بتحليلها قصي وأدرك أن السلام والهدوء الذي يتمني شقيقه أن ينعم به في تلك الزيجة سينقلب جحيماً مع هذه المرأة.
"زي ما قالك مهاب آخر حاجة نفكر فيها الفلوس، بنتي أصلاً عندها اللي يعيش أحفاد أحفادها في نعيم، لكن فيه طلب أتمني أستاذ ياسين يتقبله بصدر رحب"
لم يعقب ياسين وأنتظر أن تلقي طلبها، يكفي نظراتها إليه، علم إنها لا تحبه بل و ترفض تلك الزيجة، يبدو إن ابنتها قد ارغمتها علي الموافقة
"أتفضلي يا مدام شاهيناز وإحنا تحت أمرك"
نظرت إلي ياسين بقوة وتحدي لتلقي عليهم ما تثق إنه سيقابله الآخر بالرفض وتتمني حدوث مشكلة تنتهي بإنهاء هذا الزواج قبل أن يبدأ
"العصمة تبقي في إيد بنتي"
استقبل قصي طلبها بابتسامة هادئة وبنظرة من عينيه يخبرها إنه علي دراية بهدفها من وراء هذا المطلب الذي رفضه ياسين قطعاً
"لاء، قصدي مفيش راجل يقبل علي نفسه العصمة تبقي في إيد مراته"
عقب آدم لاحتواء الموقف
"أنا شايف موضوع العصمة ملهوش لازمة إنه يبقي في إيدين الآنسة رودينا، لأن لو حصل عدم توافق لا قدر الله ما بينهم أول ما هتطلب الانفصال بالتأكيد مش هيرفض، و إن شاء الله ربنا مايجيبش زعل و لا مشاكل"
ابتسامة دهاء تضوي علي شفتيها وتسأل الذي لزم الصمت
"ها يا ياسين اخواتك ردوا، و أنا عايزة اسمع ردك أنت"
كان الأخر أكثر دهاء و مكراً منها فقال
"لو دي رغبة رودينا أنا معنديش مانع"
تبادلت رودينا النظرات مع والدتها حتي أدلت بتصريحها الذي يحمل تحدياً جلي لها
"مفيش نص في الدين بيقول إن العصمة بتبقي في إيد الزوجة، ده بيبقي مجرد إتفاق وبرضو بيبقي برضا الزوج مش شرط إجباري، و علي العموم أنا مش موافقة علي الشرط ده"
نظرت إلي والدتها بانتصار، و قبل أن يحدث صدام ما بين الأطراف لحق آدم الموقف قائلاً
"كدة خلاص نقرأ الفاتحة"
قام جميعهم بقراءة الفاتحة ما عدا شاهيناز التي تشتعل غيظاً من داخلها حتي انتهوا من التلاوة، نظر ياسين إلي والدة رودينا ثم إلي زوجها يخبرهم
"حاجة أخيرة يا مهاب بيه، إحنا مش هنعمل فترة خطوبة لأن ملهاش داعي زي ما حضرتك عارف، ياريت يبقي كتب الكتاب والفرح يبقوا مع بعض"
تظاهرت شاهيناز بعدم اللامبالاة عكس البركان الثائر داخلها، بينما زوجها أومأ إلي ياسين بالموافقة وتابع
"رودينا قالتلي، و شايف طلبك مناسب وياريت يبقي في أقرب وقت عشان أنا مضطر أرجع علي كندا علي آخر الشهر"
"هيبقي الفرح إن شاء الله الخميس اللي بعد الجاي"
قول ياسين وعينيه صوب رودينا التي عندما سمعت أن سيكون حفل زفافها بعد مرور عشرة أيام فقط، ارتفعت نبضات قلبها بخليط من المشاعر، مزيج من الفرح و التوتر والقلق، يكفي نظرته الغامضة التي لم تدرك منها ما يجول داخل عقله.
༺※※※༻
في اليوم التالي داخل الشركة، يقف خلف الواجهة الزجاجية في مكتبه، يحتسي القهوة، ينظر في ساعة يده ليجدها العاشرة صباحاً، سار نحو المكتب وأخذ من فوقه الهاتف ليجري إتصالاً ليطمئن عليها...
"ألو؟"
أجابت عليه بسعادة تنضح من نبرة صوتها
"قيصو حبيبي، سبحان الله كنت لسه مطلعة الفون من شنطتي عشان أكلمك لاقيتك سبقتني"
ترك القدح بعد أن انهي القهوة مبتسماً
"عشان تعرفي أنا بحبك أكتر"
"لاء أنا اللي بحبك أكتر، و مش بحبك و بس، ده أنا بعشقك"
ابتسم بمكر يخبرها
"طب ما تيجي بعد ما نخلص شغلنا أعدي عليكي ونروح علي اليخت، و نشوف مين فينا بيحب التاني أكتر"
ضحكة بدلال طاغي خرجت من بين شفتيها
"وأنا هستناك بس ما تتأخرش عليا"
"ما هو بعد الضحكة والدلع ده شكلي هاسيب كل اللي ورايا وهجيلك حالاً"
"مجنون وتعملها، استني بس إيديني ساعة بخلص شوية حاجات عشان بنجهز للإفتتاح، والمفروض في خلال أسبوع الـ designers يكونوا خلصوا الـ collection اللي هنعرضه يوم الإفتتاح"
"براحتك يا حبيبتي، خلصي شغلك علي مهلك، أنا كدة كدة برضو ورايا شوية حاجات هخلصهم و أكلمك قبل ما أخرج من الشركة"
"تمام يا قلبي"
"أهم حاجة خدي بالك من نفسك، و لو في أي حاجة وقفت معاكي كلميني علي طول"
"ما تقلقش عليا، أنا تليمذتك يا كينج بعرف أتصرف"
"والكينج مبسوط منك أوي"
عقب جملته بإرسال قُبلة وصل صوتها إلي الأخرى، و قبل أن تبادله أو تتحدث بكلمة قاطعها صوت طرق علي باب مكتب زوجها وصل إلي سمعها
"مضطر أقفل معاكي يا حبيبتي، سلام"
"باي"
أنهي المكالمة وترك هاتفه علي المكتب ثم صاح للطارق
"أتفضل"
فُتح الباب وظهر صديقه الذي ولج في عرض مسرحي، يفتح ذراعيه مبتسماً ويقول بالإيطالية
" Buongiorno mio caro amico "
«صباح الخير صديقي الغالي»
أجاب الأخر بابتسامة علي أسلوب صديقه الفكاهي
" Buongiorno, mio pazzo amico "
«صباح الخير صديقي المجنون»
تلاشت الابتسامة من وجه أدهم والذي حدق إلي قصي بتجهم زائف
"أنا مجنون!، الله يسامحك، أنا ماشي"
و سار نحو المكتب وجلس علي الكرسي تحت نظرات قصي الذي أخذ يضحك، جلس علي الكرسي المقابل للآخر
"شوفت بقي عندي حق لما أقولك يا مجنون"
"أنا فعلاً مجنون، و جايلك عشان تلحقني قبل ما أتجنن أكتر"
أشار إليه قصي
"ثواني"
رفع سماعة الهاتف الخاص بالمكتب
"اتنين إسبريسو إيطالي"
أعاد السماعة في مكانها ونظر إلي صديقه
"يا تري عملت مصيبة إيه المرة دي؟"
ضحك الآخر وأخبره
"أطمن أنا الحمدلله ربنا هداني عن جنان زمان، و أخيراً قررت أعقل وأتوب وأستقر"
عقب قصي بسخرية مازحاً
"لتكون جايلي أدور لك علي عروسة؟!"
"هي العروسة موجودة من غير ما تدور عليها"
ظل يتصنع التفكير قليلاً حتي نظر إلي أدهم وأخبره
"و اسمها منار صح؟"
تنفس الصعداء و أجاب
"الله ينور عليك، طول عمرك ذكي و لماح، هي فعلاً منار، اللي مجنناني و مطيرة عقلي، و ممكن يجرالي حاجة لو طلعت مرتبطة أو متجوزة"
عاد الآخر بظهره إلي الوراء يخبره
"هي حالياً single"
مال أدهم بجذعه إلي الأمام ويقول برجاء كطفل صغير يريد ما يطلبه بشدة
"بالله عليك تكلمهالي وتقولها إن أنا بحبها من أول مرة شوفتها و عايز أتجوزها"
"يا بني الموضوع بسيط خالص مش محتاج وسيط، أتصل عليها و أقولها إنك عايز تقابلها و روحوا في أي مكان عام وأقولها اللي قولته دلوقت"
عاد الأخر أيضاً بظهره إلي الوراء يشعر بالحرج قائلاً
"هي للأسف كل ما بتشوفني تطلع تجري"
قطب قصي ما بين حاجبيه وسأله
"ليه؟، أنت عملت معاها إيه؟"
ظهر الغضب علي ملامحه مما زاد توتر الآخر الذي حك ذقنه
"أصل... "
قاطعه طرق علي الباب يتبعه دخول المساعدة تقدم إليهما الإسبريسو الساخن، و قبل أن تغادر أخبرت قصي
"أستاذة منار جت و مستنية حضرتك برة يا فندم"
خفق قلب أدهم و في آن واحد يخشى رد فعل منار عندما ستراه
"خليها تدخل"
أومأت المساعدة إلي رب عملها
"أمرك يا فندم"
بعد ثواني ولجت منار مبتسمة
"صباح الـ... "
تلاشت بسمتها عندما رأت أدهم فتراجعت
"آسفة يا مستر قصي، أنا جيت في وقت مش مناسب"
كادت تغادر فأوقفها قصي مشيراً لها
"تعالي يا منار، مفيش حد غريب، سنيور أدهم الشافعي أنتي عرفاه"
نهض وأشار إليهما نحو المقاعد التي تقع في ركن جانبي بالغرفة
"تعالوا نقعد هناك أحسن"
ذهبت ويتبعها أدهم فسألها قصي
"تشربي إيه يا منار؟"
"شكراً يا مستر، أنا شربت قبل ما أدخل لحضرتك"
سار نحوهما وجلس، ينظر إلي أدهم الذي ألتزم الصمت وكأنه يخشى شيئاً ما
"عاملة إيه؟"
كان سؤال قصي فأجابت الأخرى بشبه ابتسامة
"الحمدلله بخير، أنا كنت جاية لحضرتك بخصوص الشغل و... "
أشار لها بيده يقاطعها
"سيبك من الشغل دلوقتي، أنا كنت هكلمك و أنتي جيتي في الوقت المناسب"
نظر إلي أدهم يحثه علي التحدث
"نقدر نقول إن أدهم هو اللي عايز يتكلم معاكي"
نهض وتابع
"هستني برة عشان تتكلموا براحتكم"
صاحت منار بحسم
"لاء، قصدي خلي حضرتك قاعد معانا، أنا مش هقعد مع الأستاذ ده في مكان لوحدنا أبداً"
حديثها المُعارض بشدة جعله يتأكد أن هناك خطب ما، حدق إلي أدهم بغضب ينتظر تفسيراً، ابتسم الأخر ليخفي توتره قائلاً
"مالك بتبصي لي كدة ليه، ما أنا قاعد محترم في مكاني وبعيد عنها أهو"
كانت قد عقدت النية بمكر خلف نظرة وعيد إلي أدهم، نهضت وقالت
"يا مستر قصي، الباشا صديق حضرتك بعد ما خلصنا الـ meeting مع الوفد الإيطالي باسني بالعافية، و بعدها كان هيكررها في النادي، و تالت مرة أتقابلنا في المول صدفة جه ورايا في الأسانسير و كان برضو عايز يبوسني"
اتسعت عينين أدهم و هو ينظر إلي قصي الذي يرمقه بغضبٍ جم، يسأله هاكماً
"متأكد إنك بطلت جنان؟"
كان يقترب منه الهوينة، نهض أدهم رافعاً يديه بدفاع
"استني بس هافهمـ...
نال لكمة قوية في وجهه من قبضة قصي
"دي عشان اللي عملته فيها هنا"
و سدد له لكمة أخري
"و دي عشان اللي كنت هاتعمله في النادي"
كاد يسدد له لكمة ثالثة صاحت منار برجاء
"خلاص يا قصي بالله عليك"
ترك تلابيب قميص أدهم وصاح به
"فاكر نفسك لسه في إيطاليا؟!، ما أنا قولتلك قبل كدة منار مكنتش مجرد موظفة هنا، هي في مقام كارين وملك أخواتي"
أمسك أدهم كلا خديه بيديه، يجيب بصعوبة
"والله كان و مازال نيتي خير، و للأسف أنا مندفع و متهور وبدل ما اعترفلها عن حبي بالكلام لاقتني بختصر الكلام بالفعل"
شهقت منار من تصريحه المفاجئ لها و جرأته في آن واحد، وجدته ينظر إليها ليكمل
"أيوة بحبك، و لما لاقيت رد فعلك معايا عنيف كل ما أقرب منك، حبيتك أكتر وجيت النهاردة لقصي عشان يقولك إن أنا عايز أتجوزك"
صدمة أخرى غير متوقعة لديها لكن هناك الذي يخفق خلف ضلوعها، لا تنكر أن أفعاله المتهورة و جنونه جذبها إليه، لكن كانت تخشى أنه يريد منها مرافقة أو علاقة محرمة فقط، فبالرغم يبدو من مظهرها إنها فتاة متحررة تحب الحرية دون قيود، لكنها تسير علي قواعد تربت عليها منذ صغرها وتضع الحدود بينها و بين الآخرين من الرجال حتي لا تصبح مطمع لأهوائهم ونواياهم الدنيئة.
نظرت إلي قصي ثم إلي أدهم ونهضت بحرج و خجل، همت بالذهاب فأوقفها قصي
"أستني يا منار"
ثم عاد ببصره إلي أدهم وأخبره
"أنت عارفني ما بحبش أعيد كلامي مرتين، أقسم بالله لو كررت أي حركة طايشة من حركاتك دي معاها تاني، مش هقولك أنا ممكن اعمل فيك إيه"
نظر أدهم إلي أسفل يشعر بالندم ثم رفع وجهه و قال لها
"أنا آسف، مش هكررها تاني غير لما تبقي مراتي، موافقة؟"
كانت في حيرة، بل في مأزق، هل عندما يعلم بأمر زواجها السابق من قصي سيظل علي موقف طلبه أم سيتراجع؟!
"قبل إجابتي علي طلبك، لازم تعرف حاجة"
ابتلعت غصة فمن الممكن أن علم أدهم بالأمر سيغير رأيه ويعزف عن أمر زواجه بها، تابعت
"قصي هيقولك كل حاجة"
و بدون تردد ذهبت سريعاً من أمامهما، توجه نظر أدهم إلي صديقه منتظراً أن يخبره.
........
تعليقات: 0
إرسال تعليق