و بعد أن قام يونس بنقل الحقائب التي تحتوي علي الطعام من حقيبة سيارته إلي حقيبة سيارة الأخر، دخل هو وزوجته وابنائهما إلي سيارة مهند، حيث جلس بجواره يونس، وكارين وصغارها في المقعد الخلفي، كان مهند كل فينة والأخري ينظر إلي كارين عبر المرآة الأمامية، لكن دون أن يلاحظ يونس ذلك، فكانت النظارة الشمسية تخفي تجاه ما ينظر، يتأمل ملامح ابنتها التي تشبهها كثيراً، علي نقيض ابنها الصغير الذي يشبه والده تماماً، وبالرغم من أنها ترتدي نظارة شمسية أيضاً لكنها تلاحظ جيداً نظراته إليها والتي تسبب القلق والتوتر نحوه، رجل غريب الأطوار وتحيطه هالة مخيفة، و هي حتي الآن تفترض حسن النية نحوه إلي أن يثبت لها عكس ذلك.
"أيوة هنا"
قالها يونس بعد أن ألتزم الصمت طوال الطريق، هلل الصغيران
"هييه، وصلنا، وصلنا"
ترجلت كارين لتساعد ابنتها في الخروج من السيارة، و ترجل يونس أيضاً وبعد أن أخذ الحقائب قال باقتضاب
"متشكرين يا أستاذ مهند"
نظر الأخر إلي كارين ثم إلي زوجها
"العفو يا فنان"
تقدم إحدى حراس الأمن لدي البوابة من يونس يأخذ من يديه الحقائب قائلاً بترحاب
"أهلاً وسهلاً يا يونس بيه، أهلاً وسهلاً يا هانم نورتم القصر"
أومأت كارين إليه مبتسمة و كذلك يونس
"تسلم يا عم مؤمن"
وقبل أن ينطلق مهند نظر إلي كارين ولوح بيده و ألقي ما يسبر أغوار زوجها
"مع السلامة يا مدام كارين، وبكرة هاكون عندك عشان دراسة الجدوي الخاصة بالمشروع اللي ما بينا"
أومأت إليه قائلة
"إن شاء الله هستني حضرتك، باي"
لوح إليها بيده ثم ألقي بنظرة وعيد إلي يونس وعاد ببصره من أسفل النظارة إلي كارين
"خدي بالك من نفسك باي"
أنطلق بسيارته وكارين تتابعه وتخشى أن تلتفت إلي الذي يقف علي يمينها، فكان يهمس إليها بوعيد
"أنا هعدي اليوم بس عشان خاطر أخواتي، لكن والله يا كارين لما نروح بيتنا هيكون ليا معاكي كلام تاني"
نظرت إليه بضيق
"قصدك إيه بكلامك ده؟!، كل اللي ما بيني وبينه شغل و بس، لو أنت بقي نيتك رايحة لحتة تانية يبقي أنت كدة أتجننت وأنا اللي مش هاسكت، عشان معني كلامك أنك ما بتثقش فيا"
"أنتي أتجننتي في مخك و لا إيه؟!، طبعاً واثق فيكي، بس معنديش ذرة ثقة في أي حد من اللي حواليكي وخصوصاً البني آدم التنح ده، قال اسمه مهند قال"
نطق كلماته الأخيرة بنبرة ساخرة مما جعلها تضحك رغماً عنها، لكنه أتخذ ضحكتها استهزاء وسخرية علي حديثه
جز علي أسنانه وداخله يشتعل من الغيظ، أشار إليها بيده إلي البوابة المفتوحة يقول من بين أسنانه
"قدامي يلا"
أدركت أنه علي وشك أن يفقد صبره، و إذا حدث ذلك فلم تأمن حدود غضبه إلي أين سوف تصل!
أمسكت صغيريها، كل منهما في يد و عبر جميعهم البوابة في صمت.
༺※※※༻
يتجمع رجال العائلة في الحديقة وصوت ضحكاتهم يتردد في الإرجاء، فكان يونس يعيد من ذكريات الماضي عندما كانوا أطفالاً
"فاكر يا ياسين لما كنا وإحنا صغيرين، روحت وقفت أمام باب التويليت وفاكر إن أنا اللي جوه وقعدت تقول بتعمل إيه جوه يالا، ده أنت لسه عاملها علي نفسك علي السرير، و لسه هاتكمل كلامك هوب لاقيت الباب أتفتح وبابا الله يرحمه واقف في وشك"
عقب ياسين من بين دموع ضحكته
"الله يخرب عقلك، ده أنا علي طول كل ما كنت أعمل أي حاجة فيك أنت بالذات ألاقي بابا في وشي، وساعة الموقف ده أول ما شوفته طلعت أجري وأستخبيت في أوضة داده سميرة من كتر الإحراج"
"و لا طه اللي دايماً كل ما يجي عندنا علي طول باصص لنا بقرف و مش طايقنا، ببقي نفسي أقوله والله يا بني إحنا لسه واخدين shower ، روح أكشف علي مناخيرك"
حدق يونس إلي طه الذي يضحك وتابع:
"ألا قولي يا طه كل مرة نفسي أسألك ليه كنت قرفان مننا وبنسي"
ماذا سيخبره، هل يقول له إنه كان حاقداً عليهم حتي وفاة والده وتبدل حاله علي النقيض؟!
حمحم ثم أجاب
"كنت طفل رخم بعيد عنك، حتي مكنتش طايق نفسي"
قهقه الجميع وكان قصى الذي كان يقف بجوار مصعب حول فرن الشواء ذو الفحم المشتعل، كان يستمع إلي سرد شقيقيه لمواقفهم الكوميدية، علي وجهه ابتسامة لكن داخله ذكريات طفل عاش مواقف أكبر من عمره حينها، يكفي إنه عاش أول العشر سنوات من عمره في ذلك القصر علي إنه ابن الخادمة، كم تلق الإهانة من المفترض إنه جده «حكيم البحيري»، و عندما قام بطرده مع والدته خارج القصر و كان مصيريهما حادث بشع أدى إلي وفاتها فأخذه الرجل الثري رسلان العزازي، كان حنوناً وعطوفاً عليه لكن كان أيضاً حازماً، جعله فتي قوياً وماهراً في فنون القتال والرماية وخاصة إطلاق الرصاص صوب الهدف بكل دقة ومهارة، جعله يحتك ويتعامل مع عالم رجال مافيا السلاح داخل وخارج البلاد، رأي الموت والأهوال بعينه حتي أصبح كجلمود صخر لا يخشى شيئاً، بل كان الجميع يهابونه كما كان أعدائه يخشون مواجهته، تمُر السنين ويصير الفتي شاباً ثم رَجُلاً يافعاً، و جاء العشق ليجعل هذا الوحش يترك عالمه المظلم ويسير في درب النور من أجل زوجته التي يعشقها وانجبت إليه ابنه وابنته فأصبحوا الهواء الذي يتنفسه ويحيا به.
عاد من بحر ذكرياته المظلم علي صوت آدم
"إيه يا قصى، سرحت في إيه وسايب اللحمة هتتحرق"
أنتبه إلي قطعة اللحم فقام بتقلبيها علي الجهة الأخري و ألتفت إلي أشقائه قائلاً
"كنت بفتكر ذكريات طفولتي"
سأله ياسين بفضول
"طبعاً كنت أعقل واحد فينا و مكنتش بتعمل الهبل اللي كنا بنعمله أنا ويونس"
"هي مش مسألة عقل، لكن الظروف وقتها هي اللي أجبرتني علي كدة"
أكتفي بتلك الكلمات والتي جعلتهم جميعاً يشعرون بالأسف نحوه، فضحك قصى حتي يُبدد تلك الغيمة
"الحق يتقال، الأتنين اللي كانوا عاقلين وواخدين الحياة جد من صغرهم، آدم و يوسف"
عقب آدم
"أنتم واخدين عني فكرة غلط، بالعكس أنا كنت شقي ومتهور بس كنت بعمل المصيبة من غير ما حد يعرف"
عقب يونس
"قصدك تقول كنت سوسة ولئيم"
ضحك آدم وأخبرهم
"أعترف كنت سوسة آه، بس لئيم دي لاء، اللئيم كان يوسف، ذكي وحويط، و كان يعمل المصيبة و يلبسها لحد فينا، بسببه كلت كذا علقة من بابا الله يرحمه، أو كنت بتعاقب بالحبس في أوضتي باليومين والتلاتة"
"ده مين ده اللي حبسك؟"
ألتفت جميعهم إلي صاحب الصوت فقال مصعب
"ابن حلال والله يا دكتور، كانوا لسه بيجيبوا في سيرتك و بيشكروا فيك، صح يا آدم؟"
سألهم يوسف وهو ينظر إلي شقيقيه يونس وياسين وهما يكتمان الضحك
"و ياتري سيرتي كانت بالخير ولا بالشر؟"
حدق آدم إلي ياسين ويونس بوعيد ثم ألتفت إلي يوسف قائلاً
"خير طبعاً، حمدالله علي السلامة"
༺※※※༻
وهناك بداخل القصر حيث تتجمع النساء والأطفال يلهون قريباً منهن
"والله أنا فرحانة جداً، أخيراً أتجمعنا من بعد أخر مرة في عزومة مامي وأونكل عابد"
كان حديث ملك التي تشعر بالسعادة، فعقبت خديجة
"إن كان علينا ممكن نتجمع كل يوم، لكن الرجالة هم الشغل اللي واخدهم"
اعتدلت علياء وتركت قدح القهوة فوق الطاولة التي أمام الأريكة
"بالنسبة ليا أنا ويوسف الشغل فعلاً واخد كل وقتنا، هو في المستشفي و أنا في المركز، بجد مهنة الطب عايزة قوة ومجهود جبار، و في نفس الوقت لازم أخد بالي من عزالدين ولوچي، وشكلي هاخد اجازة قريب عشان إمتحانات لوچي"
تناولت كارين قطعة شيكولاتة من الإناء الزجاجي المزخرف قائلة
"بالنسبالي الجاليري بحس فيه براحة نفسية، و لما بكون مضغوطة أو نفسيتي تعبانة بخرجها في الرسم، و سبحان الله بتبقي أكتر لوحات بتتباع و بيبقي عليها الطلب مخصوص"
ألتفت نحو صبا التي تمسك بالهاتف وتتابع شيئاً ما، فسألتها كارين
"خير يا صبا، ساكتة و مش بتتكلمي معانا، طبعاً مشغولة بالشركة الجديدة"
نظرت إلي البقية وتابعت بسعادة
"باركوا لصبا يا جماعة، أخيراً قصى سابها تعمل مشروع شركة للـ fashion design، و بالتأكيد هاتبقي من أكبر الشركات في الشرق الأوسط و مش بعيد هتبقي تريند"
ابتسمت إليها علياء وقالت بتهنئتها
"ألف مبروك يا صبا"
أجابت الأخري بسرور
"الله يبارك فيكي يا دكتور"
"ألف مبروك يا صبا، و أنا هاكون من أول زباينك، بس ياريت تصمموا حاجة تناسب المحجبات"
"الله يبارك فيكي يا ملك، ما تقلقيش ده أول ستايل ههتم بيه وهيبقي ليه قسم خاص في خط الإنتاج"
عقبت خديجة
"خلاص كدة مش هلبس غير من عندك، ألف مبروك"
"بس كدة من عينيا أنتي وملك هيتصمم ليكم أحلي شغل"
كانت شيماء تجلس وتتابع في صمت منذ أن جاءت، تتأمل صبا التي ترتدي ثياباً أنيقة تنم عن زوق رفيع لسيدة أستقراطية وكذلك الأمر لدي علياء و كارين، و ملك رغماً أنها ترتدي ثوب محتشم وحجاب لكن أيضاً أنيق وجذاب.
عادت ببصرها إلي صبا مرة أخري ثم اقتربت من خديجة وسألتها بصوت خافت
"بت يا خديجة، مش دي البت بنت عمة جوزك اللي كان بيحبها و قام جوزها خدها منه عافية وأتجوزها؟!"
لكزتها خديجة بمرفقها دون أن يلاحظ البقية وأخبرتها بهمس
"وطي صوتك الله يسامحك"
"هو أنا قولت حاجة غلط؟!، أنا بسألك هي و لا لاء، أصلها حلوة و جميلة أوي، بالتأكيد جوزها الراجل القمر المز اللي واقف مع جوز ملك و بيشوا اللحمة"
حدقت إليها الأخرى بامتعاض وقالت بتهديد
"أيوة هي، و لو ما سكتيش هاروح لجوزك و اقوله عماله تقولي علي ابن عمه إنه قمر ومز، خليه يوريكي القمر و النجوم في عز الضهر"
ابتلعت شيماء لعابها بخوف أخفته خلف ابتسامة
"كدة يا ديجا، أخس عليكي أنا كنت بهزر و بفضفض معاكي بكلمتين، عايزة تقولي لطه عشان يعمل من لحمي شاورما"
ضحكت خديجة رغماً عنها من حديث صديقتها المضحك فقالت لها
"بدل ما تخافي من أخويا، خافي من ربنا الأول حتي لو قصدك هزار، ما ينفعش تتأملي في راجل مش من محارمك و تقعدي توصفيه كدة"
"ما خلاص بقي يا شيخة خديجة مكنوش كلمتين قولتهم، بس سيبك أنتي مني دلوقتي، هو أنتي بتعرفي تتعاملي معاهم إزاي، قصدي عرفتي تتأقلمي علي عيشتهم؟"
تعلم الأخرى بمدي طيبة زوجة أخيها التي تجعلها تتحدث بأسلوب ينفر منه البعض، أو يأخذونه علي محمل سيئ.
"أنا و آدم بقالنا تسع سنين متجوزين، يعني كل واحد فينا عارف طباع وعادات التاني، أي نعم أتربيت في الحارة بس أتعلمت بسرعة إزاي أتعايش وأبقي منهم، و في نفس الوقت محافظة علي تعاليم ديني"
"الله يقوي إيمانك أكتر وأكتر يا أخت خديجة"
قالتها شيماء بسخرية مازحة، نهضت الأخري وأخبرتها بمزاح أيضاً
"أنا حاسة بسخرية في كلامك، لما أقوم أطمن علي أخويا و أقوله علي القمر"
قبضت صديقتها علي رسغها بكلا يديها
"رايحة فين يا مجنونة، أنا بهزر معاكي"
جلست خديجة وتبتسم بانتصار
"و أنا كمان كنت بهزر، يلا يا جبانة"
༺※※※༻
وبالعودة إلي الخارج، ينبعث الدخان من الفحم بقوة بعد أن ألقي مصعب عليه الماء
"أخيراً خلصنا شوي"
"أنا هاروح أغسل إيدي و هاغير هدومي اللي بقت كلها ريحة دخان"
تفوه قصي فقال له آدم
"أطلع أوضتي فوق وألبس اللي يعجبك"
"أنا عامل حسابي وجايب معايا هدوم إحتياطي"
فقال يوسف
"و أنا كمان هاطلع أخد shower وأغير و نازلكم علي طول، بس أوعوا تاكلوا من غيري"
ضحك يونس وقال
"أنت بتقول لمين ما تاكلوش، ده مصعب وآدم هيقوموا بالسفرة لوحدهم"
رد آدم ويلكز شقيقه بالهوائية ذات الريش
"لما إحنا كدة أومال أنت تبقي إيه"
عقب ياسين وقد تملك الضحك منه
"يونس يبقي من نسل يأجوج ومأجوج، يقضي علي الأخضر واليابس"
دنا يونس نحو أسفل الشجرة حيث يوجد غصن خشبي غليظ، رفعه لأعلي وكأنه سيضرب أحد به
"ده مين ده ياض اللي من نسل يأجوج و مأجوج، و ربنا لوريك "
ركض ياسين وخلفه يونس في الحديقة، ركض الأطفال ليروا الأثنين فأخذوا يضحكون
و في الداخل، مر يوسف وألقي التحية علي النساء، فرد جميعهن، وقفت علياء منادية
"يوسف أستني"
نهضت واقتربت نحوه
"حمدالله علي السلامة يا حبيبي"
رد باقتضاب
"الله يسلمك"
"أنجي عاملة إيه دلوقتي؟"
"تمام كويسة، خرجت الصبح بعد ما غيرتلها علي الجرح"
تنفست الصعداء ثم قالت
"الحمدلله، أنا كنت خايفة أوي"
سألها و نظرة غموض جلية داخل عينيه
"خايفة عليها و لا منها؟"
لم تفهم مغذي سؤاله
"قصدك إيه؟، أنا كنت فعلاً خايفة عليها، مهما كان دي أم لوچي و عمري ما أتمني الموت لأي حد حتي لو عدوي، و بعدين هخاف منها ليه، أنا عمري ما هحتك بيها تاني خالص"
"حصل خير يا علياء، عن إذنك أنا طالع أغير هدومي"
"طيب ممكن طلب و ياريت ما تنسي؟"
"قولي"
"أنا نسيت الفون بتاعي فوق علي التسريحة ممكن تجيبو معاك و أنت نازل؟"
أومأ لها قائلاً
"حاضر"
"حبيبي ربنا ما يحرمني منك"
ربت علي كتفها ثم تركها واتجه نحو الدرج، لاحظت لوچي أن والدها سيصعد إلي أعلي، نهضت فأوقفتها علياء
"رايحة فين يا لوچي، إحنا هنتغدي دلوقت"
أجابت الأخري والتوتر يبدو واضحاً علي ملامحها
"نسيت حاجة فوق، هطلع أجيبها ونازلة علي طول"
كانت خطواتها أقرب إلي الركض، و السبب إنها قد نست هاتفها في الأعلى في غرفة والدها وعلياء، تذكرت أمر عمر إذا قام بالاتصال بها ووالدها في الغرفة.
كان يوسف قد دلف للتو، يخلع سترته وربطة العنق ثم ساعة يده، اتجه إلي الحمام، أوقفه صوت رنين هاتف، ألتفت إلي مصدر الصوت وجد هاتفين علي طاولة الزينة أحدهم لزوجته والأخر لابنته.
رأي أن الرنين صادراً من هاتف علياء و المتصل
«أسر»!
أمسك الهاتف وتردد في أن يجيب أم لا، أنتهي الرنين و ما هي إلا ثوان وجاءت رسالة واردة، يظهر نصها المتحرك علي شاشة القفل
«علياء لما تشوفي المكالمات والرسالة كلميني ضروري، عايزك في حاجة مهمة»
قرأ ذلك النص مراراً وتكراراً، الوسواس ينهش أذنه و يحتل رأسه، كلمات طليقته قد يكون بعضها صدق، عليه أن يترك الأمور تسير بشكل طبيعي دون أن يتدخل أو يجعل زوجته تنتبه إلي مراقبته لها، حيث قرر إنه سيأخذ وضع المراقب حتي يمسك ولو دليلاً واحداً وحينها سيكون لها القاضي والجلاد!
فُتحَ الباب فجاءة و ظهرت لوجي التي رأت والدها يمسك بهاتف زوجته وتركه بمجرد رؤيته لها
"فيه حاجة يا لوچي؟"
أجابت وعينيها ما بين النظر إلي هاتفها ثم إلي والدها
"كنت بدور علي الفون بتاعي"
أمسك بالهاتف ومد يده به إليها
"أتفضلي"
أخذته وحاولت إخفاء القلق والتوتر خلف ابتسامة قائلة بإمتنان
"thank you dad"
ذهبت سريعاً وأغلقت الباب ورائها.
༺※※※༻
تجتمع العائلة حول المائدة، و علي رأسها قصي لأنه كبير العائلة الآن و علي يمينه صبا ومالك و علي شماله مصعب جواره ملك ويليها ابنتيها مليكة ونور، ثم يوسف وجواره علياء وابنها عزالدين وشقيقته لوچي، وفي الجهة المقابلة جوار مالك عمه آدم و يليه خديجة وجوارها يوسف الصغير والتي تجلس بجانبه زينب الصغيرة بينه و بين عمتها كارين ويليها ابنتها چوليانا و ابنها رسلان ثم يونس الذي يجلس في الجهة المقابلة له طه وجواره شيماء وابنها سالم وتليه شقيقته ريتاچ وتجلس بجوارها ياسمين الصغيرة والتي بجانب والدها الذي يتأمل هذا المكان، يشم رائحة ياسمين زوجته عندما كانت تعمل هنا، كيف كان يقترب منها ويشاكسها، حتي حدث المحظور، وبرغم ندمه الشديد علي ما فعله بها، لكنه كان و مازال يعشقها.
"بالمناسبة السعيدة دي و إننا كعيلة متجمعين يارب ديماً في كل خير، أقولكم باركوا لياسين هيخطب رودينا صاحبتي"
تفوهت ملك بكلمات انتبه إليها شقيقها الذي جز علي أسنانه و حدق إليها معاتباً وغاضباً في آن واحد، فهو لا يهتم بهذا الأمر فلماذا هي تخبرهم بشأن يخصه هو؟!
هل تخشي أن يتراجع عن قراره و بإعلانها هذا تجعله مُقيد بالإجبار في زواجه من صديقتها؟!
"ده أنا مش مصدق نفسي أخيراً، ما كنا قاعدين معاك من بدري ما قولتش يعني"
قالها آدم فعقب يونس قائلاً
"و رودي قصدي رودينا بنت زي القمر وعاقلة وهادية"
لكزته كارين بمرفقها في ذراعه فتأوه
"أتلم"
"والله ما قصدي أعاكسها، أنا بقوله علي مميزاتها بس"
"ألف مبروك يا ياسين"
قالها قصى، فأجاب ياسين
"الله يبارك فيك"
تلقي التهنئة من الجميع فسألته صبا
"و أمتي الخطوبة؟"
"لسه هاقابل باباها وهانحدد مع بعض، و غالباً هتبقي خطوبة وكتب كتاب"
"كتب كتاب علي طول كدة، ليك حق ما أنت عازب بقالك أكتر من سنتين"
قالها مصعب فضحك الجميع ما عدا ياسين الذي نهض بعد أن شعر بالضيق والاختناق
"الحمدلله"
سأله يونس الذي فطن السبب
"أجي معاك نتمشي شوية ونشربلنا سيجارتين"
"لاء خليك كمل أكلك، أنا شوية وراجع"
ذهب تحت أنظارهم جميعاً، فقالت ملك
"أنا حاسة إنه أتضايق لما قولتلكم"
أخبرها آدم
"مش أنتي السبب، كلنا عارفين إنه لسه متعلق بذكرياته مع ياسمين الله يرحمها، و متأكدين عمره ما هيقدر ينساها"
مسح قصي فمه بالمحرمة وعلق علي حديث أخوته
"أنا شايف إنكم تسيبوه علي راحته، دي حياته، و هو ما حبش غير مراته، يعني لما يتجوز صاحبة ملك هيعاشرها بالمعروف ويمكن من معاملتها الكويسة ليه يحبها، بس مش هيكون بنفس درجة حبه لمراته الله يرحمها"
تدخلت كارين بنبرة تنبع من الحزن والأسف علي حال شقيق زوجها
"بس ده هيبقي ظلم لرودينا وظلم لنفسه في نفس الوقت"
قالت ملك التي شعرت بالحيرة والقلق علي صديقتها، تخشي ما قاله قصي، فقالت
"ليه بنسبق الأحداث، مش يمكن مع العِشرة يحبها، كلنا بنحب ياسمين الله يرحمها، بس برضو ده أخويا و مش هفضل شيفاه متعذب بسبب فراق مش بإيديه وعايش علي الأطلال، و لا أنت إيه رأيك يا مصعب؟"
كان مصعب مندمجاً في تناول الطعام، تدخلت زينب الصغيرة قائلة
"عمو مصعب مش هايسمعك يا عمتو عشان عمال ياكل الطبق بتاعك"
نظر الجميع إلي مصعب الذي كان يأكل بالفعل الطعام من صحن ملك، قهقه آدم وقال مازحاً
"كدة يأجوج ومأجوج زادوا واحد بعد يونس"
نهض يونس وصاح مازحاً
"إيه يا باشمهندش آدوم، هي الحفلة النهاردة عليا و لا إيه؟"
أمسكت كارين يده ليجلس وتكتم ضحكتها، فجلس زوجها وأخذ يبحث بعينيه في الصحون الكبيرة، فقال إلي ابنة شقيقه
"بالله عليكي يا لوچي ناوليني حتة الريشة الكبيرة عشان من بدري هاموت عليها"
انفجرت كارين ضحكاً وتبعها الجميع..
༺※※※༻
بعد انتهاء الغداء، تجمعوا في الحديقة وتبادلوا الأحاديث، و أخذ الأطفال يمرحون ويتناولون الحلوى و الحادق التي صنعته كارين.
ذهب كل من قصى وآدم ومصعب لدي الإسطبل وركب ثلاثتهم الخيول، كل واحد علي حده، و قاموا بالمسابقة تحت تشجيع زوجاتهم، وفي النهاية تفوق عليهم قصي ليصبح في المقدمة.
و في مكان قريب قام كلا من يوسف و طه ويونس يلعبون ألعاب إلكترونية «playstation»
وبعد انتهاء كل منهم من ممارسة ما يحبونه تجمعوا داخل القصر، و تبادلوا السمر من ذكريات أو التكلم عن أحداث هامة.
حتي قاطعتهم ملك جميعاً
"كفاية بقي كلام عن الحوادث والبيزنس، إحنا جايين نقعد مع بعض ونفرح، بس إحنا نسينا أهم حاجة المفروض كنا بدأنا بيها أول ما اتجمعنا"
سألها قصي
"إيه هي؟"
"إننا نقرأ الفاتحة لبابا الله يرحمه، بالتأكيد هو حاسس بينا ومبسوط إننا مهما أنشغلنا عن بعض وبعدنا بنتجمع من تاني، الدنيا والمشاغل بتلهينا وبتخلينا نفقد أحلي أوقاتنا مع أهلنا وحبايبنا، ولما يجري بينا العمر أو بنفقد اللي بنحبهم نقول ياريت"
عقبت خديجة
"فعلاً عندك حق، عشان كدة لازم نعملها عادة كل أسبوع أو كل شهر حتي، نتجمع كلنا و يبقي فيه ود ما بينا وبين أولادنا، عشان لما يكبروا يبقوا مع بعض عيلة وعزوة ومفيش حاجة تفرقهم"
قال طه
"نقرأ الفاتحة علي روح عمي وروح بابا الله يرحمهم"
رفع الجميع أياديهم وقاموا بتلاوة سورة الفاتحة، فقال يونس
"و لا الضالين آمين، صدق الله العظيم"
لاحظ أن ياسين مازال غير موجود، فنهض وأخبرهم
"أنا طالع أطمن علي ياسين"
༺※※※༻
و في الأعلى في غرفته القديمة، يتمدد علي مضجعه، يضع يديه علي الفراش ويتأمل كل ركن وكأنه يراها في كل مكان داخل الغرفة،
يمسك إطار خشبي صغير يحمل صورة تجمعه مع زوجته علي شاطئ البحر، كم كان يشعر بالسعادة حينها، كأنه يملك كنوز العالم بين يديه، و بين ليلة وضحاها تحولت الكنوز إلي الثري.
طرق علي الباب وقام بالإستئذان
"ياسين، أفتح أنا يونس"
أخبره الأخر بصوت مرتفع
"أدخل يا يونس، الباب مفتوح"
دخل ليري شقيقه يجلس في حالة يرثي إليها، جلس بجواره وقال
"لما أنت مش قادر تنسي مراتك الله يرحمها، ليه هتظلم معاك صاحبة أختك؟!"
نظر إليه ياسين والحزن يفيض من عينيه
"أنا مش هظلمها، هي بتحبني وعايزاني ليها"
"طيب وأنت؟"
نظر الأخر أمامه وظهرت ابتسامة يسخر بها من حاله
"أنا؟!، أنا موتّ مع ياسمين من زمان، اللي قدامك ده مجرد واحد عايش حلاوة روح"
"أنا بجد مش فاهمك، و لما أنت زي ما بتقول إيه لازمتها تتجوز واحدة وتعيشها في المآساه اللي أنت عايش فيها"
نظر إليه في صمت لثوان ثم ترك قلبه هو من يجيب
"مش لما حد بيتعب والمرض بيتملك منه و يبقي بين الحيا والموت، بيروح للدكتور يديله الدواء؟"
"قصدك إن...
قاطعه ياسين بإيمائه من رأسه
"رودينا هي الدوا اللي ممكن يرجعني للحياة"
يتبع...
تعليقات: 0
إرسال تعليق