يصدح صوت القرآن الكريم من المذياع والذي يسبق صلاة الجمعة، وأصوات صاخبة بين شد وجذب ينتهي بشجار ما بين هذين الصغيرين، بينما هي تجلس علي المقعد المرتفع تحتسي القهوة وتجري مكالمة مرئية مع ابنة خالتها
"إيه يا جوجو مش ناوية تجيبي دكتور آسر و الأولاد وتيجو تقضوا لكم يومين هنا في الجونة؟"
كانت تشعر بالضيق داخلها، تتذكر كان أخر مرة لهما في السفر عندما كانت ابنتها في عمر الثالثة، ومن بعد ذلك كم تمنت أن تحظي بنزهة ترفيهية و لو ليوم واحد، لكن كيف يحدث هذا و زوجها يعمل ليلاً ونهاراً في المشفى ما بين إجراء عمليات للمرضي و فحوصات!، وقته ليس ملكاً له وهي علي دراية بذلك جيداً، لذا كان قرار ترك عملها منذ فترة حتي تهتم بصغيريها والمهام المنزلية التي لن يقضيها أحد سواها.
ابتسامة باهتة تظهر علي شفتيها
"هنسافر بإذن الله بس مش دلوقتي، أصل آسر عنده مؤتمر في لندن بعد كام يوم"
"يا حرام يا جوجو بجد أنتي صعبانة عليا، أنتي والولاد من الفيلا لخالتو و من خالتو للفيلا، إيه الخنقة دي يا بنتي، ما أنا عندي عيالي وبنخرج و نتفسح و بنروح مصايف"
اكتفت هاجر بهز رأسها و داخلها ألسنة من اللهب، تلاحظ أن الأخري تجعلها تشعر بالحنق الشديد، و هنا لجأت لفن الرد لتكف الأخرى عن مضايقتها
"وهاصعب عليكي ليه؟!، أنا جوزي دكتور جراحة مشهور وقته مش ملكه، و أنا مقدرة ضغوط الشغل عنده في المستشفي، لكن أنتي جوزك من وقت ما خسر فلوسه في البورصة وشركته فلست بقي قاعد من غير شغلة و لا مشغلة، و لولا شغلك و اللي خالتي بتبعته لك كان زمانكم بتصيفو في البانيو"
أطلقت الأخرى ضحكة تظهر أسنانها الصفراء وتخفي خلفها كم الحقد
"يخرب عقلك يا جوجو، لسه زي ما أنتي دمك زي العسل"
داهم هاجر الشعور بالاختناق فأرادت أن تنهي تلك المكالمة
"تسلمي يا هالة، أبقي سلميلي علي خالتو لما تشوفيها"
انتبهت الأخرى بأن ابنة خالتها تنهي معها الحديث، ابتسمت بمكر وتخبرها بالآتي
"يوصل، إحنا هنرجع علي آخر الأسبوع وهنروحلها عشان كريم أخويا راجع من السفر، أصله من وقت ما أتجوز و هو ومراته مش مبطلين سفر و فُسح كل weekend، لفوا أوروبا وأمريكا ودلوقتي هو وهي في المالديف كان واخد أجازة أسبوع من الشغل وراجعين بعد يومين، مش كنتي يا خايبة لو وافقتي علي أخويا كان زمانك مكان مراته دلوقتي"
كان الحديث تعدي كل الحدود مما جعلها تفقد أخر ما تبقي من الصبر لديها، وهنا قد انفجرت
"بصي يا هالة أنا عمالة أعديلك كلامك اللي من تحت لتحت و غرضك إنك تغيظيني، لكن هتفتحي موضوع أتقفل من زمان وملوش لازمة تفتحيه لحد هنا و stop، ما تخليش حقدك عليا يعميكي، وأنا غلطانة عشان كلمتك وبطمن عليكي بس للأسف أنتي ما تستاهليش وكان ليها حق علياء إنها تقاطعك، و من غير سلام"
أنهت المكالمة تاركة الأخري في صدمة وعدم استيعاب، لكن هذا لم يكن يكفي لإطفاء ما تشعر به هاجر من داخلها، ذرفت عينيها الدموع رغماً عنها، و حتي لا تعطي إلي عقلها فرصة للتفكير فيما يرفع ضغط الدم لديها، نهضت وذهبت إلي صغيريها
ركضت إليها ابنتها تشكو من شقيقها
"مامي أمجد خد العروسة بتاعتي وخباها ومش عايز يقولي هي فين"
اقترب الصغير ليخبر والدته
"يا مامي هي خدت مني التاب ومسحتلي اللعبة وقولتلها هقول لمامي طلعتلي لسانها"
مدت يديها إليهما
"تعالوا"
اقترب كليهما منها فقامت بمعانقتهما
"مش أنا قولتلكم قبل كدة، بلاش حد فينا يضايق التاني، و كونوا حنينين علي بعض؟!"
هز كل منهما رأسه فأشار ابنها نحو شقيقته
"هي اللي بدأت الأول من غير ما أعملها حاجة"
عقبت الصغيرة بإنكار
"أنا مسحتله اللعبة دي يا مامي عشان أنتي كنتي قايلالي أي لعبة أو فيديو فيها حاجة وحشة أو علم رينبو ما تتفرجيش عليها أو إحذفيها، واللعبة اللي كان بيلعبها فيها اعلام رينبو وحاجات شكلها تخوف"
ابتسمت والدتها إليها وبداخلها تشعر بالفرح، فالنصائح التي تقدمها لصغيرتها رغماً من عمرها الصغير قد تجني ثمارها.
ربتت علي رأسها
"شاطرة يا كارما برافو، و ليكي عندي هدية"
ثم ألتفت برأسها نحو صغيرها وقالت
"أختك صح يا أمجد، و أنا نبهتك قبل كدة مفيش كارتون و لا ألعاب و لا نتفرج علي فيديوهات فيها حاجة وحشة"
"حاجة وحشة إزاي، مش الرينبو دي ألوان الطيف اللي بتظهر بعد المطر، إزاي تبقي حاجة وحشة؟"
"بص يا أمجد يا حبيبي، ألوان الطيف مخلوق من مخلوقات ربنا و حاجة شكلها حلو جداً، بس فيه ناس وحشة خدو الألوان دي عملوا بيها علم ليهم"
تدخلت الصغيرة لكي تفهم أكثر
"و مين دول الناس الوحشين يا مامي؟"
"فاكرين لما حكيت لكم إن ربنا خلق سيدنا آدم و خلق له حواء؟"
أجاب الصغير:
"أيوه فاكر، و فاكر قولتلنا إنهم لما كلوا من الشجرة اللي ربنا نهاهم عنها ربنا زعل منهم وخلاهم ينزلوا من الجنة ويعيشوا علي الأرض هما والشيطان"
ابتسمت هاجر وقالت:
"برافو يا أمجد، و بعد ما سيدنا آدم وزوجته حواء حسوا بالذنب طلبوا من ربنا يغفر لهم، عاشوا وخلفوا، السيدة حواء جابت مرة ولد وبنت و مرة تانية ولد و بنت، يعني اللي أقصده إن عشان يبقي فيه أطفال لازم راجل و ست يتجوزوا، لكن الناس الوحشة أصحاب علم الرينبو مش عايزين كدة، عايزين الرجل يعيش مع راجل و الست تعيش مع الست، وده ضد اللي ربنا خالقنا عليه وهي الفطرة، والشيطان الشرير هو اللي خلي الناس الوحشين يعملوا كدة من زمان لحد دلوقتي، عشان مش يبقي فيه أطفال، و ربنا خلقنا للعبادة وعشان نعمر الأرض، فهمتوا؟"
هز كلا منهما رأسه
"فهمنا يا مامي"
وتابع أمجد
"و أنا مش هلعب أي لعبة فيها علم رينبو تاني و لا هاتفرج علي كارتون فيه كدة"
"حبيبي ربنا يحميك ويباركلي فيكم أنت وأختك، يلا روحوا أغسلوا إيديكم عشان عملتلكم مولتن كيك اللي بتحبوها"
هلل الصغيران بفرح، ونفذ كليهما أمر والدتهما التي أعدت إليهما أطباق الكيك وعصائر طازجة لذيذة.
༺※※※༻
تفتح عينيها بعد أن داعبتها أشعة الشمس، تقلبت لتطمئن علي ابنها الذي بات منذ الأمس نائماً بين ذراعيها، و إذا بها تهرع عندما لم تجده بجوارها، نهضت سريعاً وذهبت تغسل وجهها وترتدي وشاحها، خرجت تقصد الغرفة التي خصصتها السيدة شيري إلي حفيدها، فتحت باب الغرفة ولم تجده هنا أيضاً.
"حمزة؟، يا حمزة؟"
تناديه بصوت مرتفع، فظهرت إحدى الخادمات تخبرها
"حمزة مش موجود يا مدام علا"
اتسعت عينيها والخوف تملك من قلبها الذي خفق بقوة من الرعب
"راح فين؟"
"شيري هانم خدته وراحوا النادي"
صاحت والغضب داخلها كألسنة اللهب تريد حرق كل ما يقابلها
"تاخدو إزاي من غير ما تقولي"
لم تجد الخادمة رداً علي سؤال الأخرى، لكنها همت بالذهاب وقالت
"عن إذن حضرتك"
ذهبت من أمامها و تركتها تشتعل من الغضب، فما كان لعلا سوي أن تبحث عن زوجها لتجعله يهاتف والدته، أخذت تبحث عنه في كل غرفة حتي وصلت إلي الأسفل وانتبهت إلي صوت الموسيقي الصادر من الغرفة الرياضية الخاصة به.
فتحت الباب فوجدته يجلس علي مقعد جهاز جذب الأثقال باليدين، يرتدي سروال رياضي فقط وجذعه عارياً تنزل قطرات العرق علي صدره، فكان يجذب المقابض إلي أسفل فترتفع الأثقال وتصدر صوت اصطدامها الذي اجفلها، دخلت واقتربت منه فوقفت أمامه تسأله بنظرة تنضح بالعداء
"أمك تاخد ابني وتروح بيه النادي إزاي من غير ما تقولي؟"
توقف فجأة عن ما يفعله ونهض ليلتقط المنشفة القطنية ليجفف بها عرق جبهته وصدره، يخبرها بلهجة حادة
"اسمها مامتك أو تقولي حماتي، أمك دي تتقال في الحارة اللي كنتي عايشة فيها"
ابتلعت الإهانة المتوارية في حديثه
"و لما أنت عارف بالفرق اللي ما بينا و أنا كنت عايشة في حارة و كنت خدامة أخوك، ليه سيادتك أتنازلت عن برجك العالي وأتجوزتني؟!"
كان يتجرع الماء من الزجاجة حتي انتهي وأجاب ببرود
"مزاجي كدة"
"و أنا عمري ما هابقي علي مزاج حد أو يجبرني أعمل حاجة غصب عني، اللي خلاني وافقت هو ابني اللي خوفت عليه من شركم وجبروتكم أنت والست شيرين، مامتك"
للمرة المائة تخبره إنها مجبرة علي الزواج أو الحياة معه، فقد سأم من نفورها منه وهذا يجعله يتراجع إلي الوراء آلاف الخطوات عن ما يشعر به نحوها و من المستحيل أن يخبرها في يومٍ ما عن هذا الشعور طالما هي تكرهه إلي هذا الحد، وأكبر مخاوفه والدته، إذا علمت بذلك سوف تقف من جديد أمامه، و لما لا فالماضي خير معلم وقد حفظ الدرس جيداً وليس بحاجة إلي الغرق في دوامة عذاب مرة أخري.
تردد بداخله قبل أن يلقي عليها إهانة أشد من السابقة، لكن لسانه سبق تفكيره كالعادة
"طالما أنتي قوية أوي كدة وما بتحبيش تبقي علي مزاج حد، أومال بقيتي علي مزاج أخويا إزاي، و لا كان ساعتها اللي عمله علي هواكي"
لم تشعر بنفسها و كفها يهوي نحو خده لكن قبضته الفولاذية قد سبقتها وعيناه يتطاير منها الشر، أثني ذراعها خلف ظهرها ودفع جسدها إليه حتي كاد وجهها يلتصق بصدره العاري.
"أقسم بالله لو كانت إيدك لمست وشي لكنت خليت حياتك جحيم، أوله أحرمك من ابنك وأخره مش هاتشوفي الشمس تاني"
كانت تحدق إليه بتحدي وتظهر له كراهية واهية، تثأر لكرامتها التي بعثرها بحديثه المهين لها عن عمد
"و لا أنت و لا الست الوالدة ولو كان مين في عيلتك كلها، محدش يقدر ياخد مني ابني"
رفع جانب فمه بسخرية، قبض بيده الأخري علي وجنتيها ويخبرها بثقة
"ما بلاش تعملي فيها شبح وتتحديني، عشان لو وريتك وشي التاني هخليكي تتحايلي عليا عشان أموتك وأخلصك من العذاب اللي هاتشوفيه"
وضعت يدها علي قبضته التي تؤلم فكها وخديها، تجيب بصعوبة
"و مستني إيه، موتني دلوقت"
أخذ يجول علي ملامحها بعينيه ونظراته التي لا تدرك منها شيئاً، فكانت تعابير وجهها الشئ ونقيضه، القوة والضعف، الخوف والشجاعة، التحدي والخضوع، وبداخل عينيها آلاف الكلمات التي لو دونها بقلمه سوف ينتهي من مجلدٍ مكون من آلاف الصفحات.
صوت أنفاسه تتصاعد، فتصطدم بوجهها، حرر خديها من قبضته ويده الأخري أعاد وضع ذراعها الطبيعي فتأوهت، رفع يدها وألقي نظرة علي الرسغ وجد أنامله تركت علامات جلية علي بشرتها، كانت تراقب ما يفعله ولاحظت تحول نظراته من الشر والتهديد إلي اللين.
رفع معصم يدها نحو شفتيه، أغمض عينيه وقام بتقبيل موضع الشرايين أثر أنامله، همس إليها ولم تصدق ما يهمس به
"آسف"
أراح كفها علي خده ومازال مغمض العينين، يشعر بدفء ملمس يدها، ارتجف جسدها وأخذ قلبها ينبض بقوة، كليهما يخفي مشاعره تجاه الآخر خشية من توابع هذا الحب الذي ربما ينتهي بعواقب مؤلمة كما سبق!
"عايزني أسامح علي إهانتك ليا دي بسهولة أوي كدة؟!"
اهتز قلبه من سؤالها، كم هو أحمق عندما قام بفتح جرح لديها مازالت تدفع ثمنه إلي الآن، فالكلمة بمثابة رصاصة إذا انطلقت لم تعود، عليه أن يطلب الغفران كما أمره فؤاده
"أنا أكبر عيب فيا لما بتعصب ما ببقاش شايف قدامي، و بيخرج مني كلام أفضل أندم عليه، قوليلي إيه يرضيكي وأنا هعمله، بس بلاش أشوف نظرة الكره دي في عينيكي"
تقسم إنها تري العجب مع هذا الرجل، تارة يكون حنوناً وتارة أخري قاسياً، أوقات يصبح كجبل الجليد و أخري يكون كالجحيم تتأجج نيرانه وتلتهم كل شئ أمامها، تعترف بداخلها إنها قد أحبت الجانب الطيب منه و في ذات اللحظة تكره وبشدة الجانب السيئ فيه، فماذا عساها أن تفعل؟
"لو عايزني أسامحك بجد، خرجني من الفيلا وخليني أعيش أنا وابني بعيد عن هنا، إن شاء الله حتي تشوفلي أوضة"
وجدت عليها استغلال الفرصة أو بالأحرى من الجانب الطيب الحنون لديه، أخذت تحدق إليه و تنتظر أن يجيب علي طلبها، تغمض عينيها وتتوقع الإجابة بالرفض لطلبها
"موافق"
فتحت عينيها والصدمة تعتلي ملامح وجهها، فتابع ليطمئن قلبها
"أنا عندي شقة في المهندسين، محدش يعرف عنها حاجة، هاخدك أنتي وحمزة ونعيش هناك"
"نعيش؟"
ترددها لتأكيد ما يخبرها به حدسها، فأجاب بالإثبات
"أه، أنا وأنتي وحمزة، مش أنا المفروض جوزك؟"
قطعت التواصل البصري بينهما ونظرت في إتجاه آخر، فعاد الوحش كما تسميه من جديد
ويخبرها
"فاكراني عبيط عشان أسيبك تقعدي لوحدك، وهوب ألاقيكي هربتي، أنا هعملك اللي أنتي عايزاه أه عشان أنا عايز كدة، و رجلي علي رجلك في أي مكان هتروحيه"
زفرت بضيق
"إيه مش عاجبك كلامي و لا هاسيبك تعيشي هنا في الفيلا، وشك في وش شيري هانم اللي هي أمي؟!"
ابتسمت رغماً عنها، وتذكرت أمر والدته التي استطاعت أن تأتي بها إلي هنا بكل سهولة
"طب و هتقولها أو هتقنعها إزاي بالموضوع ده؟"
"ما تقلقيش أنا هخليها تقتنع بطريقتي، أمي وعارفها"
شعرت بالقلق والخوف خاصة علي صغيرها
"أنا خايفة لما تقولها تاخد مني حمزة وتبعده عني"
"ماتخافيش، طول ما أنا عايش محدش يقدر ياخده منك أو يمسه بأذي، حتي أنتي مش هسمح حد يقرب منك"
كانت ليست مجرد كلمات بل قطرات من الماء تروي حلقها بعد شعور بالجفاف الشديد، كم تتمني أن ما ينبع منه يكون الصدق، فحديثه كان كالسحر، لا تعلم كيف و متي أصبحت بين ذراعيه، وشفتيه تعانق خاصتها في قبلة يخبرها بها إنه الأمان والسند حتي إذا لم يعترف لها بحبه فيكفي الفعل الذي يقدمه إليها، فالحب والعشق أفعال وليست أقوال.
"ماما، ماما"
نداء ابنها جعلها تعود إلي وعيها، دفعت بيديها صدر أحمد وركضت نحو الخارج حتي وصلت إلي البهو، وجدت ابنها يقف جوار جدته، و عندما رآها اندفع راكضاً إليها، دنت منه واحتضنته بقوة
"حمزة خايف ماما"
ربتت علي ظهره ليطمئن
"ما تخافش يا حبيبي، محدش هيقدر ياخدك مني تاني"
كانت تنظر إلي والدة زوجها وكأنها تخبرها هي بتلك الجملة، فظهر لها أحمد وبدون أن تنتبه إليه أمه أشار إلي علا بوضع كفه علي فمه وهذا يعني أن لا تزيد في الحديث مع والدته حتي يوفي بوعده إليها ويبعدها عن جحيم هذه المرأة.
༺※※※༻
دخلت إلي غرفة النوم لتوقظ زوجها فلم تجده علي مضجعه، انتبهت إلي باب الحمام قد فُتح و هو يخرج منه ليراها فسألها:
"ما صحتنيش ليه من بدري؟"
"أنت راجع من المستشفي و الفجر بيأذن، فسيبتك تنام وتاخد كفايتك من النوم"
إجابتها تحمل الحزن بين ثنايا الكلمات وتأكد عندما ولت إليه ظهرها وتظاهرت بترتيب الأشياء علي طاولة الزينة، اقترب منها وأمسك ذراعها برفق ليجعلها تلتفت إليه
"مالك فيكي إيه؟"
أخفت ما تشعر به من حزن و صنعت بسمة علي شفتيها لكنها لم تستطع التحكم في دموعها التي تجمعت، فتهربت من النظر إليه وخفضت بصرها إلي أسفل، تجيب علي سؤاله بإنكار
"مالي إزاي، أنا كويسة"
وضع كفه علي وجنتها ورفع وجهها ولا يخفي علي بصره تلك الدموع التي علي وشك النزول من عينيها
"و من إمتي و أنتي بتكدبي عليا يا هاجر؟، نبرة صوتك الحزينة و دموع عينيكي بتقول إن فيه حاجة و حاجة كبيرة كمان مزعلاكي، و أنا مش هاسيبك غير لما أعرف"
أبعدت يده عن وجهها وابتعدت بمسافة
"مفيش حاجة يا أسر ويلا عشان تفطر وتلحق صلاة الجمعة"
نفث بقوة من أنفه وتلك علامة تنذرها بأن صبرها علي وشك أن ينفذ، أخبرها باصرار واضح
"طب إيه رأيك أنا مش هفطر و لا خارج من الأوضة غير لما أعرف فيه إيه، و لا أنا عشان ما بقعدش معاكم يبقي خلاص ماليش حق اعرف اللي بيحصل في غيابي؟!"
تركته دون أن تنطق بكلمة واتجهت نحو الباب فصاح بغضبٍ هادر:
"هاجر؟"
ألتفت إليه ولم تتحمل أكثر من ذلك فأجابت من بين دموعها:
"أنا مكنتش عايزة أتكلم، و أنت مصمم تعرف، أيوه أنا مخنوقة ونفسيتي زي الزفت، مش عارفة أقعد معاك و لا نقعد نتكلم زي أي اتنين متجوزيين، تصحي من النوم علي المستشفي و ترجع منها علي النوم، أجازتك تفضل قاعد قدام اللاب تتفرج علي مؤتمرات وبرامج طبية و ناسي إن ليك زوجة وأولاد عايزين يقعدوا معاك أو يخرجوا يتفسحوا"
ضم يديه معاً وزفر بينهما
"هو جديد عليكي طبيعة شغلي؟!، ده أنتي المفروض أكتر واحدة عارفة إننا كدكاترة معندناش رفاهية الوقت والخروج والفسح، أنا عارف إن مقصر معاكي أنتي و الأولاد، و قايلك فترة وهتعدي استحمليني فيها لحد ما تخلص تجهيزات الفرع الجديد"
صاحت باكية:
"الكلام ده داخل علي 3 سنين، أخري فيهم أروح أزور ماما أو نروح النادي عشان تدريبات كارما وأمجد، قولي أنت أخر مرة سافرنا مصيف أو أتفسحنا في أي حتة أمتي؟"
لم تعط إليه فرصة للإجابة أو إعطاء مبررات واهية فتابعت:
"أنا جيت علي نفسي وقفلت العيادة عشان ولادنا يتربوا قدام عيني وما أحسسهمش بأي تقصير، مش يبقي أنت وأنا، أنت بقي بتعمل ألف حساب لشغلك ومش مهم إحنا، كل الناس عايشة حياتها طبيعي بيخرجوا و يقعدوا مع بعض لكن إحنا لازم نستحمل شغل ساعدتك"
ظل ينظر إليها وعلم بل كان علي يقين سبب تلك الثورة التي أمامه، فسألها:
"هي هالة بنت خالتك كلمتك؟"
أخذت تمسح دموعها من علي وجنتيها ثم أجابت
"و إيه علاقة هالة بكلامنا؟"
رفع حاجبيه بتعجب فقال
"عشان هي اللي كل ما تكلمك تقعد تسخنك عليا، و مش بعيد تقعد تجيبلك سيرة الأستاذ كريم أخوها"
"أنا ماليش دعوة بهالة ولا أخوها، أنا كلامي معاك واضح وصريح"
اقترب منها والغضب يتملك منه
"لاء مش واضح و لا صريح، لأن قبل كدة قولتلك بلاش كلام مع بنت خالتك و لو كلمتك قصري معاها لأنها واحدة حقودة مهما ربنا أنعم عليها"
زفر وحاول أن يهدأ من روعهِ ليتابع حديثه
"و لا ناسية لما كانت بتسلط علياء علي يوسف ودخلت في دماغها إنه يعرف واحدة عليها، و علياء لما فهمتها بعد ما كانت هتخرب بيتها بسبب أوهام قاطعتها خالص، أنا كان ممكن أحلف عليكي تقاطعي بنت خالتك دي، لكن بقول لنفسي لاء حرام دي صلة رحم و مراتك ست عاقلة و مش هاتسمح لأي حد يوسوس لها"
"و أنا الحمدلله عاقلة يا دكتور آسر، و مش كلام بنت خالتي اللي هيقومني عليك، هي مجرد ضغطت علي الجرح مش أكتر"
ابتسم بسخرية من هذا التشبيه البالغ في التعبير
"ياه للدرجدي تقصيري بقي بالنسبة لك جرح؟!، أومال لو عملت حاجة كبيرة مثلاً لو خونتك كنتي سمتيها إيه؟!"
سحبت هاتفها من جيب ثوبها وأخذت تلمس علي عدة ملفات فقامت بفتح رسالة نصية واردة
"أنا لو مش عاقلة كان زماني صدقت رسالة من حد عايز يخرب بيتنا بجد، و مش هسمح لأي مخلوق يدخل ما بيننا أو يهز الثقة اللي ما بينا"
رفعت شاشة هاتفها أمام عينيه، فأخذ يقرأ الرسالة
«خلي بالك من جوزك لأن الضربة مش بتيجي غير من أقرب الناس ليكِ حتي لو من دمك»
لاحظ الرقم غير مسجل، بحث بعينيه عن هاتفه فذهب نحو الكمود وتناول الجوال، نقل الرقم علي تطبيق يظهر هوية المتصل، لاحظ أن هذا الرقم قد أتصل عليه من قبل.
و قبل أن تعمل ذاكرته ظهر له هوية صاحب أو صاحبة الرسالة، علياء!!
سألته زوجته والشك يساور قلبها
"أنت تعرف مين صاحب الرقم؟"
كان يدور داخل عقله تحليلاً لم يجد له سوي استنتاج وحيد وعليه التأكد من ذلك قبل أن تأخذ الأمور مجري لايريد الوصول إليه.
سرعان قام بحذف خلية التطبيق والتي يظهر بها الاسم، أغلق شاشة هاتفه وأعاده في مكانه السابق، ألتفت إليها يخبرها كذباً
"لاء، مفيش اسم ظاهر، و لو رن عليكي الرقم تاني أو بعتلك رسايل أعملي له بلوك، عشان واضح ده حد قاصد يخرب لنا حياتنا"
نظرت إلي عينيه التي تحاوطها الهالات السوداء مؤخراً نتيجة السهر المتكرر في عمله، سألته
"تفتكر مين من مصلحته يعمل كدة؟"
جذبها بين ذراعيه، وجد عليه أن يراجع الأمر جيداً ويحتوي زوجته، فلديها حق في شكواها و كم هو مقصراً نحوها ونحو ابنائه
"حقك عليا يا حبيبتي، أنا عارف إني مقصر جامد و خليت شغلي يسيطر علي كل وقتي، لكن من هنا و رايح هخصص ليكم وقت نعمل فيه اللي عايزينه، و هرتب أموري بإذن الله و بعد ما هارجع من المؤتمر، هاخدكم نقضي أسبوع في الشالية بتاعنا في الجونة"
و كطفلة صغيرة تبدد حزنها وحل مكانه سعادة تغمرها، ابتعدت قليلاً والفرح يقفز من عينيها، تسأله
"بجد يا أسورتي؟"
ابتسم إليها ووضع كفيه علي كتفيها قائلاً
"بجد يا عيون أسورتك، مفيش شكراً بقي؟!"
"شكراً يا حبيبي و ربنا يخليك لينا"
عبس بمزاح و أخبرها
"و أنا مش عايزك تشكريني بالكلام"
ضحكت وأدركت ما يريده، أشار إليها نحو وجنته، وضعت قبلة بشفتيها علي خده، فأشار إليها علي خده الأخر فكررت ما فعلته في الأول، أشار أخيراً إلي شفتيه وقال
"دي بقي أنا اللي هاخدها بنفسي عشان وحشاني أوي"
احتضنها بين ذراعيه وغمر شفتيها بين قُبلاته، فهي عشقه الذي أسر قلبه من أول مشاكسة دارت بينهما منذ سنوات، ومقالب انتهت بزواج سعيد إنجاب صغيرين قد ورث كليهما صفات الوالدين.
༺※※※༻
هناك بعض الهدوء يسود بينهما منذ أن أنهي علاقته بهذه الأسيل التي قامت بخداعه وتم هدم كل ما بينه و بين زوجته بالطلاق، و بعد معاناة وتوسل لطلب الغفران منها، أعاد ما تم هدمه ليصبح رباط قوي وسيظل محافظاً علي ذلك مهما كان الثمن وحتي تفيض روحه إلي الخالق.
يفتح باب السيارة ويجلس خلف المقود، يضغط علي الزر المسئول علي فتح حقيبة سيارته لتضع زوجته الحقيبة الخاصة بابنها وابنتها، أغلقت الحقيبة وذهبت لفتح باب المقعد المجاور لمقعد القيادة، سبقتها ابنتها
"أنا اللي هاقعد جمب بابي"
دفعها شقيقها وقال باصرار أيضاً
"لاء، أنا اللي هاقعد جمب بابي"
صاحت كارين بهما
"و لا أنت و لا أختك، ده مكاني و أنتم أقعدوا ورا"
قوست ابنتها شفتيها إلي أسفل وأذعنت إلي أمر والدتها، دخلت إلي المقعد الخلفي ويتبعها شقيقها
أخبرهما والدهما
"كل واحد فيكم يربط الحزام كويس، ومش عايز خناق زي كل مرة"
أجاب الصغير
"حاضر بابي"
"يونس ما تنساش وإحنا في الطريق تعدي علي محل الحلويات اللي بتجيبلنا منه"
ألتفت إليها برأسه
"أومال كمية الحلو والحادق اللي صاحية من الفجر تعملي فيها ده تبقي لمين؟!"
ترتدي حزام الأمان قائلة
"دي أنا عاملها لولادنا وولاد أخواتك، هما بيحبو الحلويات والحادق اللي بعمله لهم، لكن اللي هاتشتريه ده لأخواتك، ماتبقاش بخيل بقي"
"نعم؟!، وبالنسبة للـ credit card اللي كان فيها 10آلاف جنيه وسيادتك خدتيها إمبارح عشان تتسوقي من الهايبر لغاية ما بقت رصيدها زيرو؟!"
نظرت إلي الأمام وترتدي نظارتها الشمسية ذات العدسات سداسية الشكل
"محسسني إن صرفتهم في تافهات، أنا نزلت أجيب حاجة الشهر ومكونات المخبوزات اللي عملتها، مكنتش أعرف إن الأسعار زادت عن الشهر اللي فات"
أخذ يتمتم بصوت غير مسموع
"هي بتزيد كل شهر بس؟!، دي كل يوم كأنها أسهم في البورصة، الجنيه يعوم وإحنا نغرق لحد ما بقينا عايشين في قاع المحيط مع سبونج بوب وسلطع برجر، وأنتي بالنسبة لك الـ 10 آلاف كأنهم 10 جنيه، يارب عدينا منها علي خير"
انتبه إليها وتنظر إليه
"أنت بتقول إيه؟"
ألتفت إليها مبتسماً
"فداكي، فداكي يا روحي 10 آلاف مليار دولار، المهم تكوني مبسوطة"
ابتسمت وعقبت بزهو
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي يا يويو"
تمتم مرة أخري كالسابق
"و أخرتها بقيت يويو كمان"
أنطلق بالسيارة وبعد أن قطع منتصف المسافة التي بين منزله و بين القصر، لفت انتباهه وميض مؤشر الوقود يضوي وينطفئ
"إيه ده إزاي؟!"
"فيه إيه؟"
سألته وتنظر نحو الشاشة الرقمية، فأخبرها
"ده مؤشر الوقود بينبهني إنه يقرب يخلص، بس إزاي و أنا مفول العربية و أنا راجع من الجاليري إمبارح؟!"
"ليكون فيه مشكلة في التانك وسرب الغاز"
"أنا لسه كنت في الصيانة من أسبوع و عملت check عليها ومفيش أي حاجة"
"خلاص أقف علي جمب لحد ما نشوف أي محطة بنزين قريبة مننا"
توقف وترجل من السيارة قائلاً
"أقرب محطة بنزين في طريق مقطوع زي ده علي بعد كيلو ونص من هنا"
"مامي إحنا هننزل"
كان سؤال ابنتها فأجابت كارين
"لاء يا چولي، خليكم مكانكم وأنا هطلب أوبر"
نزلت من السيارة تلتفت يميناً ويساراً، لاحظت اقتراب سيارة سوداء، فقالت لزوجها المنشغل بهاتفه
"يونس، فيه عربية جاية علينا، ما نقوله يسحبنا معاه لحد محطة البنزين"
و قبل أن يجيب توقفت السيارة بالقرب منهم وأخرج لهما السائق رأسه من النافذة، شبه مبتسم
"أستاذة كارين، فيه مشكلة؟"
نظر يونس إليه يتأمل ملامح هذا الرجل الغريب الذي يبدو إنه علي معرفة بزوجته، فكان يرتدي نظارة شمسية فقام بخلعها
"أستاذ مهند إيه الصدفة السعيدة دي؟"
ألتفتت إلي زوجها وأخبرته
"أستاذ مهند عبدالرحمن، من أهم العملاء للجاليري و هيبقي فيه ما بينا مشروع قريب"
ابتسم يونس علي مضض وكأنه يمضغ حبة هيل مُرة
"أهلاً وسهلاً"
ألتفت إلي مهند لتخبره أيضاً
"طبعاً بالتأكيد عارف الفنان يونس البحيري جوزي من يوم الحفلة اللي عزمت حضرتك عليها وجيت"
بادله مهند ابتسامته الصفراء
"أهلاً بحضرتك"
تجاهل التحدث مع يونس وظل ينظر إلي كارين، يسألها ليعرض عليها المساعدة
"هي العربية فيها مشكلة ولا إيه؟"
"محتاجة تتفول ومحطة البنزين بعيدة عن هنا"
أجابت هي بدلاً عن زوجها الذي يمقت هذا الرجل دون سبب، بينما مهند لا يهتم إليه علي الإطلاق
"ممكن تسيبوها مكانها وتقفلوها كويس، و تعالوا معايا أوصلكم للمكان اللي أنتم عايزينوا"
ترددت كارين وتشعر بالحرج، فقال زوجها
"شكراً، أنا طلبت أوبر وأكدت علي الرحلة"
"و ليه أوبر و أنا موجود؟، ممكن تكنسل الرحلة عادي، و لا يا مدام كارين بتعتبروني غريب؟!"
ابتسمت بحرج وأخبرته
"ليه حضرتك بتقول كدة؟، هو يونس بس مش راضي يتعبك معانا"
"و لا تعب و لا حاجة، أنا كدة كدة رايح التجمع"
عقبت بدهشة
"إيه الصدفة دي، إحنا كمان رايحين التجمع"
زفر يونس لعلها تدرك أن تكف عن التحدث مع هذا الرجل ذو النظرة القاتمة، لاحظ مهند شعور الأخر إتجاهه لكنه لا يبالي مرة أخري وقال
"خلاص يلا أركبوا"
اقتربت كارين من زوجها:
"فيه إيه يا يونس، عمال تنفخ ومش طايق الراجل، يعني الحق عليه إنه عايز يوصلنا؟!"
أجاب بصوت خافت
"أيوة مش طايقه، و مش مرتاحله نفسياً خالص، و أنتي عمالة تاخدي وتدي معاه في الكلام و لا كأني قرطاس لب واقف جمبك"
"يخربيت تشبيهاتك اللي بتموتني من الضحك، معلش عشان خاطري تعالي علي نفسك ويلا نركب معاه، وأتصل بالإنقاذ يجوا ياخدوا العربية، بليز بقي الأكل اللي في شنطة العربية ممكن يبوظ غير إننا هنتأخر علي أخواتك"
قال علي مضض والامتعاض يعلو ملامح وجهه
"ماشي يا كارين و لما نروح بيتنا حسابك معايا"
يتبع...
تعليقات: 0
إرسال تعليق