-->

غابة الذئاب (الفصل ٣٠ الجزء الأول)

تبدو لنا الأجواء هادئة، ربما هذا نذير لما هو قادم من إعصار مدمر! 


رائحة نسيم الصباح يُخالطها رائحة الأزهار، تولج تلك العطور وتتسلل في أرجاء القصر، حتي وصلت إلي أنف هذه النائمة، فأشعة الشمس التي اخترقت زجاج النافذة وشقت طريقها فهبطت علي وجهها وتداعب أهدابها وكأنها توقظها من سباتها العميق، تململت وأصدرت همهمة دون أن تفترق شفتيها، تقلبت بتذمر قائلة والامتعاض جلي علي ملامحها: 

"قصي أقفل الستاير، مش عارفة أنام" 


لم تجد رداً، قامت بالنداء: 

"قصي؟" 


فتحت عينيها رويداً رويداً وكانت الرؤية ضبابية حتي تلاشت وأضحت تري بوضوح تام، تحرك رأسها باحثة عنه، لم تجده جوارها و باب الحمام شبه مغلق و لا يوجد صوت يدل علي وجوده في الداخل، لمع بريق ابتسامة علي ثغرها وذلك لدي تذكرها ليلة أمس عندما كان قائماً علي بث الراحة في جسدها من خلال تدليك كل مواضع عضلات الذراعين والساقين وكذلك الظهر وفقرات عنقها الخلفية، يقوم بهذا كخبير محترف حتي نعمت بالاسترخاء والإريحية ولم تشعر بالزمان أو المكان فكان سلطان النوم قد غلبها وذهبت إلي رحلة في عالم آخر.

لحظة و اخترقت أنفها رائحة شهية، ربما تكون رائحة مخبوزات، وصوت ضحكات صغيريها تصل إلي مسامعها، نهضت علي الفور باحثة عن معطفها الحريري فوجدته ملقي علي مسند الأريكة الجانبي، أخذته وقامت بارتدائه فغادرت الغرفة لتطمئن علي الصغيرين. 


وبالأسفل داخل المطبخ الذي يخلو من الخدم، يتوسط صغيريه خلف الطاولة الرخامية، يمسك بعصا فرد العجين، يحاول فرد تلك الكرة وأسفلها حنطة منثورة، صاحت الصغيرة وهي تأخذ منه العصا الخشبية: 

"يا بابي أنت بتفرد العجينة غلط، ناني زينات بتعملها كدة الأول" 


أخذ ينظر إليها وهي تضغط علي العجين بكفيها الصغيرين، أكملت: 

"و بعدين بتفردها بالبتاعة دي كدة" 


ضحك علي ذكائها وتعلمها السريع في أمور مازال مبكراً علي عمرها أن تتعلمها. 

بينما صبا ولجت إلي المطبخ فوجدت زوجها وصغاريهما مشغولون ثلاثتهم بالعجين ووجوههم و ملابسهم ملطخة بآثار الدقيق الأبيض. 

"أنتم بتعملوا إيه؟" 


أشارت إليها صغيرتها بالعصا نحو العجين: 

"بعمل بيتزا لبابي ولوكا بيعمل باتيه بالجبنة اللي بتحبيه" 


لاحظت أن الوقت مبكراً: 

"إيه النشاط ده، صاحيين من بدري" 


أجابها وهو يتابع ما تفعله ابنته: 

"آدم أتصل بيا إمبارح وعازمنا النهاردة، فقولت نصحي من بدري نفطر ونقضي وقت حلو أنا وأنتي والأولاد، وبعد صلاة الجمعة نروحلهم" 


نظرت من حولها وسألت زوجها: 

"أومال فين دادة زينات و الشغالين؟" 


"أديتهم كلهم أجازة النهاردة، قولت نقضي نص اليوم علي راحتنا أنا وأنتي والأولاد" 


تقدمت إليهم ووقفت بجواره قائلة بأمر: 

"مالك، خد أختك وروحوا أغسلوا إيديكم وأخرجوا ألعبوا في الجنينة" 


أومأ إليها الصغير وترك ما كان في يديه: 

"حاضر يا مامي" 


لكن شقيقته المتمردة صاحت بصوتها الطفولي: 

"أنا مش هاروح في حتة غير لما أعمل لبابي البيتزا الأول" 


حدقت إليها والدتها بنظرة محذرة: 

"بنت، أنا قولت إيه؟" 


صاحت برفضٍ تام: 

"أنتي أخرجي مع لوكا وسبيني أنا وبابي بنعمل الأكل ولا روحي نامي أحسن" 


"سامع بنتك بتقولي إيه يا أستاذ!، أدي أخرة دلعك ليها" 


ألتفت قصي إلي ابنته شبه غاضب، ولأول مرة يحدثها بتلك النبرة التحذيرية: 

"أول وأخر مرة أشوفك بتتكلمي كدة مع مامي تاني، فاهمة؟"


كان بداخله يتمزق وهو ينظر إليها ويحذرها هكذا، لكنه يخشي تدليله الزائد لها يُفسدها، نظرت إليه والصدمة تعلو ملامحها الصغيرة، تكونت دموعها داخل عينيها وتضم شفتيها بسخط: 

"أنا زعلانة منك ومش هكلمك تاني" 


نزلت من فوق الكرسي وكادت تذهب فأوقفها: 

"زينب" 


توقفت ولأول مرة تشعر بالخوف، أجابت بهمس ودون أن تنظر إليه: 

"أتأسفي لمامي" 


كانت صبا تشاهد ما يحدث ولاحظت لأول مرة غضبه من صغيرته هكذا، شعرت بالشفقة عليها وذلك بعد أن رأت دموعها تتساقط والحزن يكسو وجهها حينما رفعت عينيها لتنظر إليها وبصوت يختنق وقد أوشك علي البكاء: 

"sorry مامي" 


وبطرف عينيها ألقت نظرة بعينيها الدامية نحو والدها ثم ركضت في الحال حتي لا تبكي أمامهما. 

هنا تخلت صبا عن صمتها فأخبرته: 

"أنا أول مرة أشوفك تتعامل معاها كدة، مكنش فيه داعي تزعقلها جامد"


حدج إليها وكان الغضب يتطاير من عينيه ليس منها بل غاضباً من حاله، كيف أصبح قاسياً مع مدللته الصغيرة؟! 

زفر بقوة حتي تتطاير بعد الدقيق من فوق الرخام، وقرر أن يخبرها بما جعله قلقاً من أمر ما

"من هنا ورايح لازم يتشد عليها، بعد كدة ممكن تعمل أي سلوك غلط مع حد غريب زي ما بتتعامل معاكي، غير إن لسانها بيطول كتير، أنا غلطان من الأول مكنتش باخد معاها موقف حازم، وده خلاها بتتمادي في الغلط" 


"ما ده اللي كنت بقولهولك من الأول يا قصي، و فاكرني بضطهدها وبظلمها" 


"اللي كان بيخليني ماشدش عليها أنتي يا هانم" 


"أنا؟" 


"اه أنتي، مش أنا أتكلمت معاكي في الموضوع ده قبل كدة؟، وقايلك قربي منها، بنتك محتاجة لقربك منها أكتر مني؟!" 


اقتربت منه ببضع خطوات: 

"و مين قالك معملتش كدة، قربت منها وبلعب معاها وبحكيلها قصص وبنيمها في حضني، زي ما جيت و شوفتها من يومين" 


تنهد ثم قال: 

"ياريت يا صبا تبقي معاها علي طول، مش مجرد اهتمام وقتي، و زي ما نبهتك قبل ما تبدأي الشغل، عيالنا رقم واحد في حياتك وحياتي، هما أولێ من أي حاجة" 


ضاق ما بين حاجبيها بعد أن ذهب عقلها إلي فهم أمراً آخر، ابتسمت هازئة: 

"قول بقي من الأول، عمال تلف وتدور في الكلام أصل البنت محتاجاكي وقربي، من الأخر بتقولي بلاها شغل وأقعدي ربي عيالك" 


جز علي أسنانه بحنق، يا لها من حمقاء كيف حولت مقصد حديثه إلي هذه النقطة، لو كان يريدها أن لا تعمل منذ البداية، فكان لم يسهل إليها أمور الشركة و كل ما يخص عملها، بل إنه يشجعها لتنجح، فهو ليس رجل أناني، بل هو زوجها العاشق وسعادتها تطرب فؤاده. 


"مش أنا يا صبا اللي محتاج يلف ويدور لما يكون عاوز حاجة، أنا لو مش عايزك تشتغلي مكنش هيبقي لشركتك وجود من الأول، فبلاش تتهربي من موضوعنا الأساسي، اللي أتمني ما نتكلمش فيه تاني وهي مصلحة بنتنا، قربي منها وأحتويها، خصصي ليها جزء من حياتك وأكسبيها، علميها الصح من الغلط" 


"حاضر، بس ياريت اللي أصلحه فيها ماتجيش أنت تبوظه بدلعك ليها، و تربية الأولاد زي ما هي مسئولية عليا أنت برضو شريكي في المسئولية دي، و ياريت كمان تقرب من مالك ابنك بدل ما أنت مركز مع بنتك" 


"و أنا موافق، ابني وأنا عارف هخليه ابن أبوه إزاي، بالنسبة بقي للباقي لو حصل تقصير منك ناحية الأتنين فماتلوميش غير نفسك وقتها"


عقدت ساعديها أمام صدرها قائلة بثقة: 

"إن شاء الله مش هيحصل أي تقصير، و هعرف أوفق ما بين بيتي و شغلي، و ما تقلقش هيفضلو ولادنا رقم واحد"  

أنزلت ساعديها وهمت بالذهاب فأوقفها متسائلاً: 

"رايحة فين؟" 


أجابت ويبدو عليها الإنزعاج منه: 

"رايحة أشوف زوزو وأغيرلها هدومها اللي بقت كلها دقيق وعجين" 


فتح ذراعيه وعيناه تناديها ليتعانقا، رفعت احدى حاجبيها بتعجب ساخرة: 

"يعني بعد كلامك اللي يضايق ومطلوب أجي أترمي في حضنك؟!" 


انقلب وجهه الذي كان مبتسماً إلي أخر حانقاً بل وغاضباً: 

"مش عايز منك حاجة، وتعالي حضري الفطار لولادك" 


خرج من المطبخ فسارت خلفه 

"طيب وأنت مش هتفطر" 


تبتسم بانتصار دون أن يراها، أشاح بيده كطفل غاضب من والدته: 

"مش عايز أفطر" 


"تعالي هنا ماتبقاش قموصه، أنا كنت بغلس عليك" 

كادت تضع يدها علي ذراعه، في لحظة كان ملتفتاً إليها، احتضنها بقوة دافعاً إياها نحو غرفة المكتب، لم يمهلها أن تتحدث أو تسأل فكانت شفتيها أسيرة خاصته، يتذوقها بشوق ولهفة، يعتصر جسدها بين ذراعيه حتي كادت عظامها تتحطم لولا إنها اصدرت تأوهاً خرج في حلقه، ابتعد لاهثاً يلتقط أنفاسه وأنفاسها في آن واحد، يخبرها والتيم ينضح من عينيه

"وحشاني أوي" 


وضعت سبابتها علي عنقه تلمسها بدلال صعوداً وهبوطاً تكراراً

"مش أكتر منك" 


رغبة عارمة يتخللها عشق ولذة طاغية، كل ذلك يتجمع في نظرة عينيه التي تجول علي تفاصيل وجهها فاستقر بالتحديق إلي شفتيها شديدة الإحمرار من أثر قبلته الضارية


تابعت حديثها الذي أوغر قلبه وجسده إشتعالاً من فرط الحب والرغبة

"نسيت أقولك صح، تسلم إيديك علي المساچ بتاع إمبارح، من كتر الراحة ماحستش بنفسي ونمت، بس قايمة وحاسة بنشاط" 


أمسك يدها وقام بتقبيل أطراف أناملها ثم هبط إلي باطن كفها، و معصم يدها الذي لا يسلم من قبلاته دون أن يقطع النظر إلي عينيها الغائبة في عالم آخر وأفاقت علي صوته

"ده أقل حاجة عندي أقدمهالك، راحتك من راحتي" 


"بعشقك أوي ياقصي" 

ليست شفتيها فقط من تفوهت بهذا بل كان كل خلية بها تخبره عن عشقها وهيامها به


"و اللي يثبت؟" 

سؤال مقتضب وماكر، ينتظر إجابة يطوق إليها منذ الأمس، و لا وقت للتفكير فكان الفعل أبلغ من الرد بللسان، انقضت عليه كالكشماء عندما تنقض علي فريستها. 


تأسر شفتيه ولكن ليست بمثابة قوة قبلاته إليها، لم يعد يملك صبراً أكثر من ذلك فقد فار التنور، والعشق داخل جسده يثور، تحرر من قميصه القطني فظهر وشم ملكيته لها علي صدره العاري. 


"قصي، الأولاد صاحيين وممكن يدخلوا علينا في أي وقت وخصوصاً ضرتي، قصدي بنتك زوزو" 


لا وقت للجواب فصوت إغلاق الباب بالمفتاح أدخل لقلبها الطمأنينة إلي حد ما، لم تعلم متي وكيف أصبحت متحررة مثله إلا عندما شعرت بملمس صدره شديد الحرارة علي بشرتها التي انتفضت بنيران العشق والشوق، أضحت بين ذراعيه وضلوعه يدق قلبه أسفلها فيجيب فؤادها بنبضات مُلبياً نداء الحب كما يُلبي جسدها نداء عاشقها. 


                   ༺※※※༻

"بعد ساعة إن شاء الله هاكون في المستشفي، عايز أجي ألاقي كل حاجة جاهزة الحالة وأوضة العمليات" 

يتحدث في هاتفه وينظر إلي إنعكاسه في المرآة، يلاحظ انتفاخ جفونه وذلك لأنه لا ينام منذ البارحة، عاد إلي ضبط ربطة عنقه. 

جاء إليه رد بصوت أنثوي حازم: 

"تمام يا دكتور يوسف" 


"يلا سلام" 

أنهي المكالمة فتحول بصره نحو هذه النائمة في سبات عميق، تنكمش ملامحها تارة وتنبسط تارة أخرى، يبدو إنها تري كابوساً مُزعجاً ألم يكفيها أحداث الأمس!

سار نحوها وجلس جوارها فوضع كفه يلمس وجنتها، و ما حدث في الليلة السابقة لا يفارق ذهنه.... 


«حدث بالأمس» 

ينتهي للتو من إغلاق جرح رأس هذه الحية الغائبة عن الوعي، ترك أدوات الجراحة في إناء التعقيم، يتابع جهاز قياس نبض قلبها و مدي كفاءة الأجهزة الحيوية لديها، من الجيد إنه قام بنقلها علي المشفى في أقرب وقت وهذا بعد مكالمة علياء و إخباره ما حدث لوالدة ابنته. 

أطمئن قلبه بعد أن وجد الجرح مجرد قطع في فروة الرأس و كدمة في الجمجمة نتيجة ارتطام رأسها علي حافة الطاولة. 


وخارج الغرفة في وسط الرواق حيث تنتظر علياء وتبكي بشدة وجوارها كلا من آسر وهاجر التي تربت عليها لعلّها تهدأ

"كفاية يا علياء عياط، الحمدلله هي لسه عايشة و زي ما آسر و دكتور يوسف قالوا، ده مجرد جرح هيتخيط و هاتخف علي طول" 


ردت الأخرى من بين دموعها: 

"والله يا هاجر مكنش قصدي يحصل فيها كدة، هي اللي أتهجمت عليا وكانت عايزة تقتلني" 


وقف آسر أمامها مُعقباً: 

"بصراحة أنتي غلطتي يا علياء لما روحتلها لوحدك، المفروض كنتي أستنيتي يوسف يروح معاكي" 


حدقت إليه زوجته بامتعاض وعتاب، بينما الأخر علل حديثه

"كلنا عارفين إنجي بني آدمة غير سوية و النتيجة اللي حصل، إفرضي لا قدر الله كانت أذتك أو هي ماتت، كان هيبقي إيه الوضع دلوقت؟!" 


"أنا روحت عشان أطمن علي لوچي وأقنعها ترجع معايا" 

أخبرته علياء بنبرة ينقطع إليها وتين الفؤاد، ربتت هاجر علي كتفها بمؤازرة

"خلاص يا علياء، حصل خير" 


تنهد زوجها فأخبر علياء: 

"اطمني، لوچي بخير أنا من شوية أتصلت عليها وقالتلي إنها في القصر" 


توقفت عن البكاء وشعرت بقليل من الراحة، لكن هناك ما ينتظرها لنقل ما تنتظره هي الآن. 


صوت فتح باب غرفة العمليات جعل ثلاثتهم ينظرون إلي يوسف الذي أقترب نحوهم، سألته زوجته بقلق وخوف: 

"أنچي كويسة؟" 


أطلق زفرة عميقة فأخبرها: 

"الحمدلله، ساعة بالكتير وهتفوء" 


تنفست الصعداء أخيراً و ها قلبها ينعم بالراحة والسكون، كانت تخشي موت الأخري والذي كان سيجعلها في مأزق لا نجاة منه. 


وبعد مرور أكثر من ساعة، قد استيقظت أنچي فذهب يوسف ليطمئن عليها بالرغم إنه لا يتحمل التعامل معها ولو كان الأمر بيده لتخلص منها، فهي أضحت خطراً يحاوطه هو وعائلته. 


"يوسف" 

خرجت من بين شفتيها بصعوبة وألم يداهم رأسها، بينما هو أجاب دون أن ينظر إليها: 

"حمدالله علي سلامتك" 


"أنا، أنا فين؟، اه" 

يداهمها الألم من جديد، رفعت يدها إلي رأسها، فأمسك بيدها ووضعها بجوارها قائلاً: 

"ده جرح بسيط وهيخف علي طول" 


ظلت تنظر إليه في صمت وذاكرتها تعود إلي ما حدث في المنزل منذ ساعات، و إذا بها تنقلب ملامحها وكأنها هاربة من مشفى الأمراض العقلية

"شوفت يا يوسف علياء، كانت عايزة تقتلني، مش كفاية خدتك أنت ولوچي مني!" 


جز علي فكه وود أن يصفعها، و ما شفع لها حالتها الصحية، تظاهر بالهدوء واللامبالاة، يخبرها بنبرة هازئه

"أيوة بأمارة السكينة اللي كنتي بتجري وراها بيها" 


قلبت حدقتيها يميناً ويساراً باحثة عن سببٍ كاذب أو حيلة توقع بهما في شرٍ تضرمه بينه وبين زوجته

"أنا، أنا كنت بدافع عن نفسي لما لاقيتها بتتهجم عليا" 


ابتلعت لعابها حتي تخبره بكلمات كالرياح حينما تهبُ علي جمرٍ خامد فتشتعل من جديد

تابعت حديثها 

"هي كانت جاية بتدور علي لوچي، عشان تطلب منها ما تجيش تقولك علي اللي عرفته وشافته" 


تظاهر بالهدوء نقيض ما يحدث داخله الآن

"و دي كذبة و لا حيلة جديدة عشان توقعي ما بيني و بين مراتي؟، ريحي نفسك يا أنچي علياء أنضف منك و من أمثالك وبثق فيها أكتر من نفسي" 


ظهرت ابتسامة سرعان أخفتها وحلت بدلأً منها وداعة الحمل الصغير لتؤكد ما تخبره إياه

"لوچي لما سابت القصر وجت تقعد عندي بسبب مش قادرة تواجه مراتك بعد ما شافتها هي وصاحبك دكتور آسر في مكتبه و هما،...


اقسمت بداخلها أنها تري الآن تلك النيران التي اشتعلت منذ سنوات عندما علم بخيانتها وقام بمواجهتها، بينما هو مازال يرسم الهدوء علي ملامحه، داخله صوتين يتصارعان، الأول يخبره إنها حيلة و خدعة من هذه المجرمة لكي تدمر حياته مع زوجته كما حدث معها منذ تسعة أعوام مضت، و الصوت الأخر كان صوت الشك الذي استيقظ من سباته يقول له ربما حديثها صادق، يخشى سيطرة أوهامه علي رأسه، قبض علي ذراعها فتأوهت بألم، و صاح بها محذراً

"أقسم بالله يا أنچي لو ما بطلتي الكذب والخداع اللي بيجروا في دمك، لهكون أنا اللي مخلص عليكي بإيدي "


بصيص من الأمل يبرق أمام عينيها، نجحت في إثارة شكه بل ما تراه علي وجهه قد يكون أقرب إلي اليقين، ابتلعت لعابها مرة أخري لتبخ سمها الزُعاف

"وحياة بنتنا ما بكدب عليك، عندك لوچي أسألها و خليها توريك الصورة اللي خدتها ليهم لما شافتهم في العربية، و مرة في مكتبه في المستشفى" 


أرخى قبضته من علي عضدها، يعني ذلك أنه قد صدقها ولو بنسبة ضئيلة، يكفيها إنها أشعلت الفتيل ويحدث الإنفجار المدمر لاحقاً. 


"لما جت وسألتني عن بنتنا قولتلها إنها مش موجودة، و واجهتها باللي عرفته من لوچي أتجننت، خافت لأقولك و حصل اللي حصل وأنتهي بأني كنت هاموت، واحدة غيري كانت عملت محضر فيها و كان هيبقي شروع في قتل، لكن عشان خاطرك مش هبلغ بس ياريت تاخد بالك من بنتنا لتعمل فيها حاجة" 


كان صمته خير دليل علي ما يدور في عقله... 


«عودة للوقت الحالي» 


أطلقت علياء صرخة وتنهض بفزع

"لاء، لاء أبعدي عني"

صرخت بتلك الكلمات، احتضنها بين ذراعيه وأخذ يربت علي ظهرها

"ما تخافيش، ده كان كابوس"  


ابتعدت عن صدره وأخذت تنظر من حولها فوجدت إنها بغرفة النوم، وضعت يدها علي رأسها وتنفست بأريحية 

"أنا فعلاً كنت في كابوس فظيع"


كان يتأمل ملامحها وسم الأفعى يدور في خلده، يتصور مئات السيناريوهات والتي جميعها تنتهي إلي الجحيم، بل نهاية مفجعة وهنا الأمر يختلف عن خيانة أنجي له، فهو لم يحبها يوماً، لكن رد فعله حينها كان من دافع الكرامة لأنها كانت زوجته وأم ابنته، بينما علياء هي حب عمره و مَنْ ملكت فؤاده فخيانتها له سوف تكون بمثابة آلاف الطعنات في جميع أنحاء جسده، ميتة لم يتحملها أقوي و أعتي الرجال. 


انتبه من شروده علي ندائها إليه: 

"يوسف؟" 


"نعم، سمعك" 


"بقولك، أنت لابس ليه؟، مش المفروض كلنا هنتجمع النهاردة مع أخواتك" 


نهض وذهب باحثاً عن سترته 

"عندي عملية لحالة ما تستحملش التأجيل، هخلصها و هاجي إن شاء الله علي ميعاد الغدا، مش هتأخر" 


نهضت بثقل ترتدي نعلها ذو الفراء الأبيض، سارت نحوه ووقفت أمامه، تعانقه واضعة رأسها علي صدره وتحيط خصره بذراعيها

"أنا بحبك أوي يا يوسف، أنت ضهري وسندي، وأول واحد ألجأ له علي طول" 


رفع رأسها، يمسك بذقنها، عيناه صوب خاصتها، لحظات مضت يتبعها سؤال قد يبدو غريباً إليها

"معني كدة أنك مش ممكن تسيبيني في يوم من الأيام؟" 


تقلصت المسافة ما بين حاجبيها والتعجب والدهشة كليهما نضحا في ابتسامة متسائلة

"إيه السؤال العجيب ده؟، بقولك أنت ضهري وسندي وكمان حبيبي وروحي، فيه حد ممكن يسيب روحه؟، يبقي هيعيش إزاي يا دكتور؟!"


حاول أن يلهو عقله بأمر آخر، فوجد أن عليه يجيب علي كلماتها بفعلٍ مناسب، دنا من شفتيها وقام بتقبيلها ثم حاوط وجهها وطبع قبلة علي جبينها ثم أخبرها بصدق نابع من قلبه العاشق

"و أنا كمان بحبك أوي"  


رفرف قلبها وكاد يحلق في السماء، فتلك اللحظات قد محت ما حدث بالأمس والكوابيس التي اقتحمت عالم أحلامها


"هاروح أخد shower وأغير هدومي، تكون أنت روحت للوچي تصبح وتطمن عليها وتاخدها وتنزلوا في الجاردن، وأنا هاحصلكم عشان نفطر سوا، زمان آدم وخديجة صحيوا من بدري وفطروا كمان"  


أومأ لها وقال

"ماشي، بس ياريت ما تتأخريش" 


هزت رأسها وقلوب تنضح من عينيها وابتسامة تزين شفتيها ثم ذهبت إلي الحمام. 


                    ༺※※※༻

تنقر  بطرفي إبهاميها علي حروف لوحة المفاتيح في الهاتف

«معلش لسة شايفة رسالتك، أنا لسه صاحية» 


تلقت رداً كتابياً من عمر

«و لا يهمك يا حبيبتي، أنا كنت بطمن عليكي وبقولك صباح الورد» 


اتسعت عينيها وخفق قلبها من أثر كلمة

-حبيبتي- أرتفع مستوي شعور التوتر لديها، إحساساً مختلفاً عن ما كنت تشعر به نحو صديق والدها.

ابتسمت وقامت بالكتابة

«good morning» 


عمر

«ينفع أكلمك فون، أصلي بتخنق من الكتابة، بصراحة وحشاني ونفسي أسمع صوتك» 


شهقت من فرط الخجل، وضعت كفها علي فمها، أخذت تقرأ رسالته مراراً، فتلقت رسالة أخري 

«؟» 


أجابت بالكتابة سريعاً

«عمر، please ما بحبش كدة» 


عمر

«هو أنا بقولك حاجة عيب أو غلط؟

أنا بقولك وحشاني ونفسي أسمع صوتك، أنا لولا النهاردة أجازة وعارف إن كل اللي في البيت عندك موجودين، كنت قولتلك تعالي نخرج أو نروح النادي» 


لوچي

«ممكن أقابلك بكرة في النادي» 


عمر

«خلاص يبقي هعدي عليكي وأخدك» 


لوچي

«لاء

قصدي ما ينفعش عشان عم شكري الشوفير بيوصلني ويفضل مستنيني لحد ما أخلص» 


عمر

«تمام 

هقابلك في النادي» 


طرق علي الباب جعلها انتفضت بفزع، وصوت والدها

"لوچي، أنتي صاحية؟" 


أغلقت شاشة الهاتف من الزر الجانبي وتركته علي الكمود جوارها قائلة

"أتفضل يا بابي، أنا صاحية" 


نهضت سريعاً من فوق الفراش وقلبها يعلو صوت نبضاته، تخشي توبيخ والدها إليها علي تركها القصر وذهابها للإقامة لدي والدتها دون علمه. 

قد ولج يوسف إلي الداخل فرآها تقف وتنكس رأسها لأسفل بخجل، تقدم نحوها ورفع وجهها، ممسكاً بطرف ذقنها، تلاقت نظرات كليهما، نظرته عتاباً بمحبة بينما نظرتها تنضح بالخجل والإعتذار. 


وبدلاً من نهرها و إلقاء كلمات العتاب والتوبيخ التي تجعلها تنفر منه وتبتعد احتضنها بحنان قلما يبثه إليها. 

"ما تبعديش عني تاني" 


"so sorry dad" 

يتخلل صوتها بحة تخبره إنها علي وشك البكاء، مسد علي خصلاتها المتناثرة علي ظهرها

"و أنا قبلت إعتذارك، بس عايزك تعرفي مفيش حد في الدنيا بيحبك ولا بيخاف عليكي قدي، و لما بشد عليكي ده من دافع الخوف وعايز مصلحتك وببعد عنك أي أذي" 


أكتفت بالصمت، تفكر أتخبره بما وصلت إليه والدتها من حال سئ بل وأسوأ، هوس وجنون وأدمان، قطع تفكيرها بإبعادها عن صدره ليخبرها بسؤال مُبطن

"و ياريت ما تخبيش عني أي حاجة، وعد؟" 


ظلت ترفرف بأهدابها وتفكر ماذا يقصد!، لكل منهما إجابة مختلفة عن الآخر؛ فهو يريد منها تفصح له عن ما أخبرته به والدتها بالأمس حتي يعلم ما يدور من خلف ظهره، و هي تظن إنه من الممكن علم بشأن مقابلاتها مع عمر ويريدها أن تخبره عن علاقتها به، لكنها تعلم طباع والدها جيداً، لم يمتلك هذا الهدوء والصبر نحو تلك الأمور.


أومأت إليه وأجابت بصدق قابله بعدم التصديق وأخفي ذلك في صدره

"promise" 


                  ༺※※※༻

و في غرفة قريبة خرجت للتو من الحمام، ترتدي ثوب الحمام القطني و منشفة ملتفة حول خصلات شعرها المبللة أسفلها، جلست أمام مرآة الزينة، و تنظر من خلال انعكاس المرآة إلي زوجها الجالس علي السرير بأريحية، منشغلاً بهاتفه، أطلقت زفرة بصوت وصل إليه، انتبه إليها ورفع عينيه عن شاشة الهاتف فلاحظ كم الحنق والضيق علي ملامحها، أدرك إنها لم تمر إليه عدم مجيئه أمام الجامعة مرور الكرام، يكفي إنه عندما عاد بالأمس من عمله وجدها نائمة في موعد مبكر عن ميعاد نومها المعتاد، و لم تستقبله بترحاب مثل كل يوم، 

ضحك بداخله رغماً عنه كم يروق له ملامحها وهي غاضبة منه تدفعه للضحك، تبدو في هذه الحالة كالطفلة الصغيرة. 


"مفيش صباح الخير يا حبيبي، و لا يا قرة عيني؟!" 

أراد مشاكستها وسبر أغوارها، وقد كان نجح بالفعل و عن جدارة، فسرعان ألتفت إليه وبغضبٍ مكنون: 

"لما تحترم اتفاقك معايا وترد علي مكالماتي ليك وما تسبينيش ملطوعة لوحدي قدام الجامعة، ساعتها هقولك يا حبيبي وقرة عيني، عموماً شكراً يا باشمهندس آدم وربنا ما يحوجني ليك" 


فتح فمه بدهشة و حاول بجهد أن لا ينفجر في موجة من الضحك، ترك هاتفه علي مضجعه ونهض متجهاً إليها. 

"والله الفون كان Silent و نسيت ألغي الوضع، ده غير كان وقتها جالي شغل مكنش ينفع أسيبه وأمشي" 


ها هو يلجأ إلي الكذب، فهل من العقل والحكمة يخبرها بأنه لم يذهب إليها بسبب مجئ ذات الشعر الناري إليه في الشركة وتريد منه المساعدة؟! 

فإذا علمت زوجته إنه وعد هذه الحرباء الصهباء روڤان بتقديم يد العون وهذا كافي لقربها منه مرة أخري، حتماً ستقيم الدنيا فوق رأسه وربما تؤول الأمور إلي ما لا يحمد عقباه. 


نهضت و صاحت فالغضب يتملك منها كفايةً

"طبعاً نسيتني، ما أنا طول عمري أخر إهتماماتك، الشغل في المرتبة الأولي ثم نفسك وفي الآخر مراتك" 


رفع سبابته نحوها يحذرها: 

"أولاً صوتك ما يعلاش عليا، و أنا زي ما قولتلك جالي شغل، عادي بتحصل كتير، يعني مش أول مرة، وأنتي أكتر واحدة عارفة ظروف شغلي، مش جديد عليكي، فياريت بلاش ما تقوليش كلام ما بيحصلش" 


أعطت إليه ظهرها دون إهتمام وأخذت فرشاة الشعر وكادت تمشط خصلاتها، قبض علي يدها وجعلها تقف في مواجهته رغماً عنها

"لما أكلمك ما تدنيش ضهرك وتردي علي كلامي" 


حدقت إليه بامتعاض لثوان فتحدثت

"لأن الكلام ملهوش لازمة طالما مش شايف نفسك غلطان كالعادة، و أنا الظالمة المفترية" 


زفر بضيق وأخذ يتمتم بذكر الاستغفار

"استغفرالله العظيم، يارب صبرني" 


رفعت زاوية شفتيها بسخرية مُعقبة: 

"ويهديك يا جوزي يا قرة عيني" 


جز علي شفته السفلي بحنق ثم تنهد

"نعم يا خديجة، إيه المطلوب مني دلوقتي؟، عايزاني أعتذرلك؟"  


وضع يديه علي كتفيها وتابع: 

"حقك عليا يا ستي، و أدي راسك أبوسها كمان"


قبّل ناصيتها فسألها: 

"ها، لسه مضايقة وزعلانة؟"


نظرت إليه ثم أبعدت بصرها عنه بعيداً، فأخبرها راجياً: 

"بالله عليكي بلاش زعل وخصوصاً النهاردة، كلها ساعتين و أخواتي هيجوا وهنقعد كلنا مع بعض، و ما صدقت نتجمع، يعني ينفع تستقبيلهم ووشك مكشر؟!" 


شبح ابتسامة ظهر علي ثغرها

"أطمن، أنا بخلي مشاكلنا علي جمب مهما حصل ما بيني و ما بينك" 


"حبيبتي ديجا العاقلة، ربنا يباركلي فيكي" 


ألتفت إلي المرآة ونظرت إليه لتسأله وتمشط شعرها في آن واحد: 

"أنت أتصلت علي طه عزمته؟، و لا أنت عازم أخواتك بس؟" 


شعر بالحرج فقد نسي أمر شقيق زوجته وابن عمه، أخفي حرجه بابتسامة قائلاً: 

"لاء أبداً، أنا فعلاً كنت هكلمه وهاعزمه، ما هو من عيلة البحيري" 


قامت بتجميع خصلاتها ولفها علي شكل كعكة ثم وضعت مشبك الشعر لكي تثبت 

"ياريت ما تنساش تكلمه، وأنا هلبس وهنزل عشان نفطر، زمان يوسف وعلياء صحيوا من بدري" 


تذكر  أمر كلا من شقيقه وعلياء بالأمس، حيث عندما عاد من العمل تقابل ثلاثتهم في مدخل البوابة، ولاحظ شحوب وجه علياء وتستند علي ذراع زوجها بوهن، وبعد أن قام بإيصلها إلي غرفتها. 

عاد إليه يوسف وأخذ يسرد إليه ما حدث، وطلب منه عدم إخبار إخوته. 


"وأنا هاتوضي وهاصلي وهاحصلك" 


بعد قليل... 

انتهت سريعاً من ارتداء ثوبها الفضفاض والوشاح الذي يصل طرفه بالقرب من خصرها، وصل إلي أذنها صوت خرير الماء من الصنبور، صاحت قبل أن تغادر الغرفة: 

"آدم أنا نازلة، ما تتأخرش" 


ذهبت بالفعل فخرج هو من الحمام يجفف ساعديه ويردد أذكار ما بعد الوضوء، وقبل أن يؤدي فرضه أوقفه رنين هاتفه، ذهب ليري هوية المتصل

"المحامي؟!" 


وكأنه تذكر أمراً هاماً فأجاب سريعاً قبل أن ينزل ولم يستطع التحدث أمام زوجته


"ها وصلت لحاجة؟" 


أجاب الأخر

"كل اللي قالته مدام روڤان لحضرتك صح مية في المية، ومش بس المحامي باع شركتها لنفسه، ده كمان باعها لواحد مجهول معرفتش أوصل لأي معلومة عنه، بس خليت جماعة حبايبي يتولوا أمر البحث وبإذن الله أسبوع بالكتير وهاعرف مين ده، و هاجيبه هو و المحامي لحد عندك" 


"طبعاً مش محتاج أوصيك علي الموضوع ده بالذات، و عمولتك الرقم اللي هتطلبه، بس ياريت في أقرب وقت تكون خلصت من كل حاجة" 


"من غير ما توصيني يا آدم بيه، كل هيبقي تمام" 


"و لو في أي جديد تبلغني فوراً، سلام" 


أغلق المكالمة بعدما تلقي الرد من الأخر ثم تنهد وأخذ يفكر في كيفية إنهاء ما يخص هذه الصهباء سريعاً دون الإحتكاك بها، فهو ليس بحاجة إلي مشكلة تحدث بينه و بين زوجته إذا علمت بالأمر.


أنتهي لتوه من تأدية فرضه وهمّ بالذهاب، و في اثناء نزوله علي الدرج قام بالاتصال علي طه ليدعوه إلي تجمع العائلة لديهم في القصر، وضع هاتفه علي أذنه وظل ينتظر حتي يأتيه الرد... 


                    ༺※※※༻

"يا بني يا حبيبي، أبوس إيدك صغر خطك و أمشي علي السطر، هفضل أفهم فيك و أنت مخك دي فردة جذمة، المرة الجاية مش هتكلم" 

رفعت شيماء نعلها من جوارها وتابعت:

"شكل الشبشب وحشك يا سالم"

  كان صوتها يدوي بين أرجاء الغرفة وهي توبخ صغيرها حيث تساعده في كتابة دروسه، و ماكان من الصغير سوي التذمر، نهض وابتعد عنها فصاح بسخط: 

"والله ما أنا كاتب الواجب ومش رايح المدرسة تاني"


حدقت إليه بنظرة نارية كعادة كل أم تصل إلي ذروة غضبها من صغارها، أخبرته بوعيد

"بقي كدة؟!، ماشي أنا بقي هاروح أقول لأبوك اللي سايبني قاعدة في المرار ده لوحدي، و عقاباً ليك مفيش تابلت لحد ما تاخد أجازة أخر السنة" 


وقبل أن تخطو إلي الخارج أوقفها الصغير برجاء وخوف: 

"خلاص يا ماما، ما تقوليش لبابا، هاخلص الـ homework وهاكتب بخط حلو" 


ضيقت عينيها وظلت تنظر إليه وهو يتوسل إليها، زفرت بقوة وقبل أن تتفوه بحرفٍ قاطعتها ابنتها من خلفها وتمد يدها بهاتفها

"ماما، عمتو خديجة عمالة بتتصل عليكي أنتي وبابا ومحدش فيكم بيرد عليها"  


ألتفت إليها وأخذت الهاتف لتجيب

"ألو يا ديجا، أزيك عاملة إيه؟" 


"الحمدلله بخير، ما بترديش ليه أنتي وطه علي تليفوناتكم؟، آدم أتصل بيه وما بيردش، قالي أكلمك وأتصلت مرتين ما بترديش" 


أشارت إلي ابنتها لتذهب وإلي ابنها أن يكمل كتابة درسه وتتابع المكالمة

"معلش والله ما سمعته، أصل كنت بذاكر لسالم و مغلبني بقالنا ساعتين بنكتب في واجب العربي، و أخوكي مريح دماغه مننا وقاعد في البلكونة بيشرب سجاير، هتلاقيه ناسي موبايله في أي حتة ومش سامعه" 


و بداخل الشرفة كان يقف مستنداً علي حافة السور بساعده، ويده الأخري يمسك بها سيجاره التي ينفث دخانها، يستمع إلي ألحان أغنية شهيرة صادرة من الشقة المجاورة وصوت أنثوي يسحر الفؤاد قبل السمع، تُردد كلمات الأغنية بنبرة عذبة، و رائحة عطرها المثيرة تفوح من داخل منزلها لتصل إلي أنفه الذي كان يشم رائحة دخان سيجاره، ألتفت رغماً عنه نحو الشرفة المجاورة لا سيما بعد أن استمع إلي خطوات قرع نعليها وصوتها الذي يقترب. 


أخذ ينتظرها ريثما تخرج إلي الشرفة وتطل ليتفاجئ بمظهرها الذي أرغمه بعدم غض البصر، ترتدي كنزة قطنية ذات لون أحمر قرمزي بدون أكمام تلتصق بجذعها وتبدي كل تضاريسها، كما ترتدي بنطال أسود ملتصق بساقيها، تجمع خصلات شعرها لأعلي علي هيئة ذيل حصان، فيتراقص شعرها مع كل حركة أو خطوة لها. 


تجرع لعابه مزامنة مع تحرك تفاحة آدم في منتصف عنقه، اغمض عينيه للحظات ووجد عليه أن يترك الشرفة ويدخل إلي زوجته وابنائهما بدلاً من وقوفه أسيراً لهذه الفتنة. 


كادت قدمه تخطو إلي الوراء فأوقفته بصوتها الرنان وابتسامة تزيد من بهائها سحراً جذاباً

"Bonjour  

طه" 


أخذ يطلق اللعنات سراً وعيناه تنظر إلي أسفل، يجيب بحرج وتوتر: 

"صباح النور يا مدام روميساء" 


نظرت إليه عابسة

"مش أتفقنا تقولي يا روميساء من غير ألقاب؟ وأنا هقولك يا تيتو، دلع طه" 


وضع كفه علي جانب عنقه، و كأن الكلمات تلاشت من علي لسانه، فضحكت بدلال

"ليه الإحراج ده كله، خلاص كنت بهزر معاك، ممكن طلب؟"


اقتربت واستندت بمرفقيها فوق السور الفاصل بينهما، مدت يدها إليه بهاتف جوال

هنا رفع عينيه فسألها

"إيه ده؟" 


"هعمل لايف أصبح بيه علي الفولورز بتوعي، معلش أصل الـ stand اللي بثبت عليه الفون أتكسر ولسه هاشتري واحد جديد، فممكن أنت تمسك الفون لحد ما أخلص اللايف، دقيقتين مش أكتر" 


أومأ لها بالموافقة علي الفور، و يتمني أن ينتهي من هذا الأمر سريعاً قبل أن تراه زوجته

"حاضر، ممكن تقوليلي أضغط فين؟" 


اقترب منها ولا يفصل بينهما سوي السور وذلك لينظر في شاشة الهاتف وتشير إليه نحو علامة تصوير البث المباشر

"أضغط هنا علي طول أول ما أقولك go" 


كان قربها مُهلك للغاية، كان عطرها يأسر حاسة الشم لديه والآن أنفاسها تسلب روحه مما جعلته غير متحكم في أعصاب يده فكاد الهاتف يقع من قبضة كفه، فاسعف الموقف حتي لا يدمر لها هاتفها الثمين، امسك به وكذلك هي، لمست يدها يده ، فتلاقت حينها العيون وأخذ كل منهما ينظر إلي الآخر 

"آسف، وقع غصب عني"  


"و لا يهمك، فداك" 

تفوهت الأخري بتلك الجملة بإغواء  فأجبرته للنظر إلي شفتيها الممتلئة، ابتلع لعابه بصعوبة ونظر إلي أسفل قبل أن يخضع لأمر هويٰ نفسه، هيهات ووصل إلي مسامعه صوت فتح زجاج الباب الزجاجي واتبعه صياح مثل دوي الإنفجار

"مش كنت تقولي يا جوزي يا حبيبي أعملكم كوبيتين ليمون؟!" 


ابتعد طه و في يده هاتف روميساء، ألتفت إلي زوجته التي بلغ غضبها إلي الحلقوم 

"وطي صوتك يا شيماء وتعالي ندخل جوة وهافهمك كل حاجة" 


لوحت بيديها وتشدقت

"تفهم مين يا عينيا،  ما هي كل حاجة واضحة زي الشمس، مخليني قاعدة جوه طالع عيني مع ابنك وأنت هنا واقف هنا بتخوني مع السنيورة" 


"يخونك إيه بس، أنتي حضرتك فاهمة غلط" 

أخبرتها روميساء بذلك، وليتها ما تحدثت إليها فكانت نظرات شيماء إليها كقذيفة من اللهب الحارق، بل ازداد غضبها أكثر عندما تذكرت الأخري عندما رأتها في النادي، نظرت إلي زوجها تسأله بسخرية و إهانة موجهة لذات الكنزة الحمراء

"مش دي البت الشمال اللي كانت عمالة تتصور بين أحضان الشباب في النادي؟!" 


شهقت روميساء وصاحت بغضب 

"أنا ما أسمحلكيش يا بتاع أنتي تتكلمي عليا بالألفاظ البيئة دي" 


اقتربت شيماء منها وكادت يديها تقبض علي ذراعها

"نعم ياختي؟!، بيئة مين يا أم بيئة يا... 


أمسك طه بكتفيها ويدفعها نحو الداخل

"عيب يا شيماء، تعالي ندخل جوة وأفهمك"


ثم نظر إلي روميساء معتذراً

"معلش يا مدام روميساء" 


"و كمان بتعتذر لها" 

كانت تدفعه ليبعد عنها، فصاح بها وصوته الغاضب جعل الجيران يخرجون من النوافذ والشرفات ليروا ما يحدث. 


انتبه طه إلي هذا الأمر مما جعله يشعر بالحرج أمام جيرانه، جز علي أسنانه وقال بصوت منخفض يحمل تهديداً ووعيداً لن يتراجع عنه

"أدخلي جوة بدل وقسماً بالله... 


رفعت كفها أمام وجهه ليتوقف عن تهديده إليها مقاطعة إياه

"أنا فعلاً داخلة جوة وهلم هدومي وهاروح علي بيت أبويا، أهو يخلالك الجو معاها"


وحدجت نحوها بازدراء ولم يسلم هو أيضاً من تلك النظرة، بينما شيماء عادت إلي الداخل لتنفيذ ما تفوهت به للتو، وقبل أن يلحق بها أعطي روميساء الهاتف

"آسف مرة تانية، عن إذنك" 


كانت تقف أمام الخزانة بعد أن خلعت خلعت العباءة وأصبحت بمنامة قصيرة، تأخذ ثيابها المعلقة و المطوية تلقي بهم علي السرير وتتمتم 

"أنا مش قاعدالك فيها، أبقي خلي الحلوة بتاعت الشباب اللي فاكرة نفسها نجمة الجماهير تنفعك" 


"هدومك دي ترجع مطرح ما كانت يا إما مش هيحصل كويس" 

كان يقف لدي باب الغرفة المفتوح، ينظر إليها وهي تقف بتلك المنامة ذات النسيج الشفاف، كان خلفه صغيريه فانتبه إلي وجودهما فقال لأحدهما: 

"ممكن يا ريتاچ تاخدي سالم وتقعدوا جوة في أوضتكم"


أمسكت الصغيرة بيد شقيقها الذي تذمر برفض

"لاء، أنا عايز ماما"  


"أنا قولت تدخل جوة أنت وأختك، يبقي تسمع الكلام" 

أجفل صوته الجهوري ابنه مما جعله أجهش في البكاء وركض إلي غرفته، لحقت به شقيقته وفعلت كما أمرها طه والذي دخل إلي الغرفة وأغلق الباب. 


"بتشخط في الواد ليه؟!، هو أنت فاكر لما تقعد تشخط وتهدد أنا أخاف مثلاً؟!" 


أخذ يضغط علي قبضته ويستعين بالصبر

"أتقي شري يا شيماء أحسنلك" 


ألقت ما في يدها علي الأرض

"عايز إيه شر أكتر ما أنا داخلة عليك البلكونة، لاقيتك لازق في الولية اللي معندهاش بربع جنيه ذرة أخلاق، ووشك لازق في وشها، إيه كنت ناوي تبوسها وجيت قطعت عليك اللحظة؟!" 


زفر من أعماقه وأخذ يردد

"استغفر الله العظيم" 


ثم تابع: 

"أنا هقولك وعايزة تصدقي ما تصدقيش براحتك، أنا كنت واقف بشرب سيجارة وهي خرجت شافتني صبحت عليا وكانت طلبت مني أصورها لايف" 


كان صدقه زاد الطين بلاء

"و أنا مالي بالحوارات دي كلها، اللي أعرفه فيه أنك راجل متجوز و المفروض لما تشوف واحدة زي الست دي تغض بصرك وتدخل علي طول تقعد مع مراتك و عيالك اللي سايب مسئوليتهم فوق دماغي لوحدي، أقولك من ساعتين تعالي أقعد ذاكر لابنك شوية هو بيسمع كلامك تقولي أنا مخنوق وهاروح أولع سيجارة، أومال أنا اللي علي أخري أروح أولع في نفسي؟!" 


"يوه ما خلاص بقي" 

أمسك قنينة عطر وأطاح بها علي الحائط فتحطمت إلي فتات علي الأرض وسائل العطر تناثر علي الحائط. 


شعرت بالفزع عندما رأته في تلك الحالة، اكتفت بالصمت واستدارت لتأخذ الحقيبة من الخزانة ووضعتها علي السرير لتضع داخلها الثياب، تمد يدها نحو السحاب فقبض علي ساعدها

"مش قولتلك ترجعي الهدوم مكانها، و لا أنا كلامي ما بيتسمعش؟!" 


حدقت إليه بغضب وتحدي في آن واحد

"ايوه مش هاسمع كلامك لأن أنا مش طيقاك و هسيبلك البيت والعيال وما.... 


جذبها إلي صدره وابتلع بقية الأحرف التي تفوهت بها داخل فمه عبر قُبلة أخرج بها كل ما يشعر به من غضب و إثارة و خليط من المشاعر المتناقضة، يعلم داخله أن زوجته علي حق، كل ما أخرجته من بين شفتيها ينبع عن حب وغيرة ضارية كالنيران المشتعلة وعليه أن يطفئها بنفسه. 


ابتعد عنها بعد أن انقطعت أنفاس كليهما، نظر إلي عينيها ثم إلي شفتيها الوردية والمنتفخة: 

"حقك عليا ما تزعليش مني"


اعتذاره الصريح والمصاحب بقبلة كانت كالمطر الذي هطل فوق نيران تلتهم الأخضر واليابس، جعل كل مشاعرها السلبية من غضب وغيرة تخبو ويحل بدلاً منها الهدوء والطمأنينة


"لسه زعلانة مني؟" 

اكتفت بهز رأسها بالنفي ثم أكملت

"أنا لو زعلت منك بجد هيبقي ساعتها كل واحد فينا في طريق، ياريت ما تخلنيش أزعل منك في يوم من الأيام، لأن لو قلبي قفل عمره ما هيفتح تاني، إياك والخيانة يا طه، وياريت ترجع بالذاكرة زمان وتاخد اللي حصل عبرة" 


تذكر في الحال ما حدث بينها وبين طليقها عبدالله، عندما أنتهي الأمر بينهما بعد خيانته لها مع سماح والتي كانت زوجة طه، ذلك الأمر جعلها تلقي الحب خلف ظهرها وابتعدت وحينما لم يتحمل الابتعاد ذهب ليأخذها من منزل والدها وانتهي الأمر بمقتل والدها الذي فارق الحياة بطعنة من يد مَنْ كان يوماً زوجها وحبيبها. 


"عايزك تطمني قلبك، عمري ما هخونك يا شيماء" 

......... 

يُتبع... 

Weaam Medhat
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع روايات سلمى سمير .

جديد قسم :

إرسال تعليق