-->

غابة الذئاب (الفصل ٣٤ الجزء الأول)

 

لم أطلب منك المغفرة لكن أطمع في كرم فؤادك ليستمع إلي دفاعي عن ما اقترفته من أخطاء في حقك، أتوسل بكل كلمات الحب بيني و بينك حتي تعفو عني أو أن أصبح في هجرك لي أسير لعذاب اللوعة و الاشتياق. 


آدم البحيري... 


في رواق قسم الشرطة التابع لحي مصر الجديدة، يقف كليهما بين رجلين من رجال الشرطة، تنوح و تبكي

"ياربي أنا عملت إيه في حياتي عشان يحصلي كدة، أنا خلاص اتفضحت" 


حدق إليها بأسف و ندم يخبرها بصوت خافت

"اهدي و متخافيش، إحنا هنخرج من هنا" 


ألتفت إليه بنظرة تنضح بالغضب ودت أن تخمش وجهه بأظافرها لأنه السبب فيما حدث لهما

"اخرص مش عايزة اسمع صوتك خالص، ياريتني ما سمعت كلامك و نزلت من بيتنا في وقت زي ده، أنا ماما لو عرفت أنا فين و بيحصل معايا إيه ممكن لا قدر الله تروح فيها، منك لله" 


تحولت نظرة عينيه من الأسف حيالها إلي التجهم، فصاح إحدى رجُلين الشرطة

"اسكت منك ليها أحسن لكم" 


طبقت شفتيها ومازالت تبكي، و رغماً من صعوبة المشكلة التي يمر كليهما بها الآن، استند بظهره و رأسه علي الحائط، أطلق زفرة فانتفض عندما تذكر مخرجاً من هذا المأزق


"ينفع أعمل مكالمة ضروري؟" 

سأل رجل الشرطة الذي يقف جواره، تلقي إجابة سريعة

"ممنوع" 


"هو إيه اللي ممنوع؟، روح أدخل للظابط بتاعك و أسأله" 


"الباشا مشغول لما ندخلكوا أبقي أسأله" 


عض أدهم علي شفته السفلي بحنق شديد، يضم قبضته و كاد يرفعها، أمسكت منار يده وهمست إليه 

"أنت عايز تودينا في داهية تانية غير اللي إحنا فيها، استني لما ندخل و هستأذن الظابط أكلم قصي و هو يتصرف و يخرجنا من هنا من غير مشاكل" 

حدق إليها بنظرة حادة قاتمة جعلتها تندم علي التفوه بحديث أشعل نار الغيرة داخله، نظر إلي يديها التي تمسك بقبضته فجذب يده منها بعنف فوجد مساعد الضابط يخرج من غرفة المكتب ينظر نحو منار بازدراء ثم إليه وأشار لهما

"أدخل منك ليها" 


تقدم أدهم نحو الداخل و تتبعه منار و خلفهما رجلان الشرطة، فأخبر المساعد الضابط ويعطيه بطاقة هوية واحدة

"البت والواد اللي قفشناهم في العربية في الشارع المتفرع من شارع المرغني يا باشا" 


"إيه قفشتنا ديه، والله ما كان فيه حاجة أ.... 

صاحت بها منار، رمق إليها الضابط بنظرة تحذيرية لتصمت، ثم حرك بصره نحو أدهم بعد أن قرأ بياناته في بطاقة الهوية الخاصة به فعاد إليها يسألها باقتضاب

"فين بطاقتك؟"


نظرت إلي أدهم عّله ينقذها من ذاك الموقف التي تدرك توابعه، ابتلعت ريقها وأخبرت الضابط

"أنا.... 


"الآنسة منار تبقي خطيبتي وكنت بوصلها للبيت، بطاقتها مش معاها لأنها نسيت شنطتها اللي فيها كل حاجتها في البيت"


رفع الآخر زاوية فمه هازئاً 

"و المفروض أصدق أنا الكلمتين دول، علي كدة إن شاء الله كل ما نيجي نقفش واحد مقضيها مع واحدة في أنصاص الليالي يقولنا خطيبتي نصدق إحنا بقي كدة؟!، صح و لا إيه يا هانم؟"


انتفضت بـ ذعر، وقفت خلف أدهم تحتمي به من نظرات وصياح هذا الضابط، بينما أدهم يلتزم الصبر لكي لا تتفاقم المشكلة فهما داخل قسم الشرطة لا مجال لإرتكاب الأخطاء هنا.


"لو سمحت يا فندم ممكن أعمل مكالمة؟" 


حدق الضابط إليه قليلاً و أطلق زفرة فأشار إليه

"أتفضل" 


أخرج هاتفه من جيب بنطاله وأجري إتصالاً بأحد معارفه و من ذوي النفوذ الهامة في البلدة 

"ألو، معلش صحيت حضرتك من النوم" 

....... 

شرح أدهم ما حدث بإيجاز إلي الأخر حتي أخبره بأن يعطي الهاتف إلي الضابط، فمد يده بهاتفه 

"أتفضل" 


أخذ الضابط الهاتف علي مضض، تحدث بلا اكتراث

"ألو؟" 

..... 

انتفض مكانه واعتدل ثم حمحم وتحدث بكل احترام و إجلال 

"معالي الباشا، أنا تحت أمرك، اللي تؤمر بيه جنابك" 

........ 

"اعتبره حصل يا فندم و آسف أنا مكنتش أعرف أدهم بيه أنه تبع حضرتك" 

..... 

"تمام، و بعتذر لحضرتك مرة تانية، مع السلامة يا باشا، في رعاية الله، سلام" 


نهض وأعاد الهاتف إلي أدهم و تحدث بنبرة و أسلوب علي نقيض حديثه السابق لهما

"أنا بعتب عليك يا أدهم بيه، لأنك مقولتش أنك تبع معالي الباشا، عموماً حصل خير، و دلوقتي تقدر تتفضل تمشي أنت والآنسة خطيبتك" 


ظهرت ابتسامة ساخرة علي شفتيه 

"تمام، تمام" 


و بعد مغادرة قسم الشرطة، ولجت داخل سيارته فوجدته ينظر أمامه في صمت

"مين اللي اتصلت عليه و كلم الظابط خلاه بعد ما بهدلنا كان ناقص يبوس راسك عشان تسامحه" 


أجاب باقتضاب

"صاحب بابا" 


لاحظت أنه لم ينظر لها متعمداً ونبرة صوته جادة

"واضح صاحب باباك ده يبقي صاحب منصب كبير في البلد" 


أنطلق بالسيارة دون أن يجيب، فتح الدرج الأمامي وأخرج علبة سجائر وقداحة، تناول لفافة تبغ و وضعها بين شفتيه، فقامت هي بــ اختطفها

"علي فكرة غلط تشرب سجاير وأنت متعصب"


نظر إلي لفافة التبغ و إلي العلبة التي في يده، جذب اللفافة من يدها وقام باشعالها ونفث دخاناً كثيفاً من أنفه و فمه و يحدق إليها بتحديٍ، طبقت شفتيها بغيظ فاعتدلت ونظرت إلي الأمام تردد بصوت خافت

"مجنون و غبي" 


                  ༺※※※༻


صف السيارة أمام مسكنها وألقي ما تبقي من اللفافة المحترقة من النافذة المجاورة له، فتحت باب السيارة فأمسك يدها، ألتفت إليه بغضب 

"نعم عايز إيه مني تاني؟، و لا مش مكفيك اللي حصلنا من شوية،  و لا تكون ناوي المرة دي علي فضيحتي قدام جيراني؟!" 


جذبت يدها بقوة ونزلت من السيارة، تلتفت يميناً و يساراً تطمئن أن لا يراها أحد و تابعت سيرها إلي فناء العمارة، و إذا بيده تجذبها و يدفعها نحو الحائط، تتلاقي عينيها بعينيه، يحاصرها بين جسده والجدار الرخامي، و يده تقبض علي رسغها حتي لا تستطيع الفرار


"أول و أخر مرة تكرري اللي قولتيه و إحنا في القسم، أنا الحمدلله قادر أحميكي بنفسي و مش محتاج مساعدة قصي" 


"بالتأكيد ما أقصدش، أنا بس... 


"هوس"

أوقفها عن الحديث بوضع طرف سبابته علي شفتيها وتابع

"مش عايز أي مبررات، أنا كلامي واضح كويس أوي" 


حاولت أن تسحب يدها عنوة من قبضته لم تفلح من قوة يده

"مالك بتتكلم معايا كدة ليه؟، بصفتك إيه إن شاء الله؟"


"بصفتي خطيبك حالياً و شهر بالكتير وهتبقي مراتي" 


ضيقت عينيها بنظرة هرة متمردة ثم صاحت لتثير حنقه

"و إذا رفضت؟" 


استند بيده الحرة علي الجدار جوارها فلا مهرب لها من أنفاسه الحارة لاسيما عندما أخبرها بثقة

"أنتي موافقة، ولو افترضنا العكس، هخليكي توافقي برضه" 


ابتسمت بسخرية

"و جايب ثقتك الجامدة دي منين، واضح أنك ماتعرفنيش كويس، لو مش عايزة أعمل حاجة، مش هعملها و لو انطبقت السما علي الأرض" 


تنهد و في عينيه نظرة تخبرها أن تتوقف عن تحديه و إثارة جنونه، فهي بين يديه الآن و لا تأمن ماذا سيفعل لها، قاطع وصلة تبادل النظرات صوت أقدام علي الدرج، شهقت و دفعته نحو أسفل الدرج حتي لا يراهما صاحب الأقدام. 

لم تنتبه إلي أنها تلتصق بصدره وبين ذراعيه، أنفاسهما تتضارب كموج البحر في صخور الشاطئ، عينيها صوب مدخل الفناء تنتظر مغادرة الجار، تنفست الصعداء 

"الحمدلله" 


ألتفت إليه لتدرك ما به للتو، شهقت و كادت تبتعد، سبقتها ذراعيه و كانت كالقيد الحديدي حول جذعها

"أوعي سيبني" 


"مش هاسيبك غير لما اسمع من شفايفك الحلوة، بحبك يا أدهم و موافقة أكون مراتك" 


لكمته في صدره

"حبك برص، مش هقول حاجة ولو ما بعدتش هصرخ وأفضحك و أقولهم أنك عايز تعتدي عليا" 


"ده أنا هاموت و أعمل كدة" 

و حينما أدركت مقصد حديثه، اتسعت عينيها من أمنيته الجريئة والسافرة 


"أنت قليل الأدب" 


أخذ يضحك ثم أخبرها

"و أنتي زي القمر"


لا تنكر أنها يحلو لها جنونه لكن يثير حنقها 

"لو ما بعدتش عني البوكس الجاي مش هيبقي في صدرك، هيبقي في وشك" 


"أبقي أعمليها و رد فعلي هيبقي زي اللي عملته معاكي في الشركة" 


صاحت بغيظ 

"بارد" 


"بالعكس أنا سخن، حتي حطي إيدك علي خدي هتلاقي حرارتي 40، و أنتي السبب" 

غمز بعينه، لكمته في كتفه


"وقح" 


"أنا وقح فعلاً و سافل، و لسه فيه صفات كتير تانية هتعرفيها لما نتجوز" 


"مش عايزة أعرف، و أبوس إيدك سيبني خليني أطلع، الفجر خلاص هيأذن و ماما وأخويا بيصحوا في الوقت ده يصلوا الفجر، و لو شافوني و أنا داخلة من باب الشقة هتبقي مصيبة" 


"خلاص هسيبك عشان صعبتي عليا، بس زي ما أنتي لسه قايلة" 


"قولت إيه؟" 


"مش قولتلي أبوس إيدك؟" 


"ده مجرد تعبير مجازي مش هعمل كدة يعني" 


"و أنا مش هخليكي تبوسي إيدي، بس ممكن تبوسيني في خدي" 


رفعت حاجبها 

"واضح أنك مش ناوي تجيبها لبر" 


"خلاص مش عايز حاجة، بس ممكن طلب أخير؟" 


زفرت بنفاذ صبر

"أنجز قول" 


"لما تطلعي ابعتيلي رسالة طمنيني فيها عليكي" 


أخبرته علي مضض

"ماشي، حاجة تانية؟" 


"لاء خلاص، يلا روحي" 

أطلق سراحها من بين ذراعيه وقبل أن تبتعد قام بخطف قبلة علي وجنتها و غادر سريعاً، فتح باب سيارته وأشار لها بيده

"باي باي" 


داخلها يتراقص فرحاً لكن تظهر له النقيض و تناديه بصوت خافت 

"يا مجنون" 

                   ༺※※※༻


صوت العصافير في الخارج اخترق سمعها وأشعة الشمس التي اخترقت زجاج النافذة أجبرتها علي فتح بصرها، استيقظت في يوم جديد آخر لها في هذا المنزل، شقة زوجها الذي بدأ قلبها ينبض إليه بمشاعر حالمة كلما تراه عينيها، لا تريد سماع كلمات الغزل والحب الواعدة بل أرادت الأمان، و هذا ما شعرت به معه وكانت الشرارة الأولي لبداية قصة حب خطت حروفها الظروف التي جمعتهما معاً في إطار علاقة زواج إجباري وتحت ضغط وتهديد، إلي أن حدث ما ثبت النقيض، فمن كانت تخشاه ومصدر الخوف في السابق أصبح الآن الجبل الذي تحتمي به كلما واجهت عاصفة من عواصف والدته. 


أخذت تنظر إلي صغيرها الذي نام جوارها ويحتضن دمية الدب والتي اشتراها له عمه، قبلت جبهته ثم نهضت تتثاءب، و في طريقها إلي الحمام تذكرت أمر زوجها الذي ينام في الغرفة الأخرى. 


و بعد أن خرجت من الحمام أبدلت منامتها بثوب أرجواني قصير حتي ركبتيها وبحمالات رفيعة، ارتدت فوقه من الأعلي كنزة باللون السكر مفتوحة الأزرار، نظرت إلي هيئتها في المرآة، رأت فتحة صدر الثوب متسعة و تظهر الكثير بسخاء، شعرت بالخجل و سرعان أغلقت الأزرار و لم يظهر سوي عنقها المرمري الطويل، تحدق نحو خصلات شعرها فقامت بتجميعها علي هيئة كعكة وتثبيتها بمشبك شعر علي شكل فراشة ملونة. 


خرجت متجهة إلي المطبخ و قبل أن تذهب، ترددت في إلقاء نظرة عليه في الغرفة الأخرى، و أخبرت نفسها حُجة ابطلها قلبها وهي أنها تفعل ذلك من باب الإطمئنان لا أكثر، لكن فؤادها أقر لها بالدافع الحقيقي و هو الشوق، تشتاق لرؤيته و الفرصة متاحة إذا كان نائماً، فتحت الباب وكادت تتراجع لكن تحركت ساقيها إلي داخل الغرفة فوجدته يغط في النوم، شهقت عندما رأته ينام جذعه عارياً لا يرتدي سوي بنطال قصير، يتمدد علي بطنه، سحبت نفسها إلي الخارج و دماء الخجل تملأ خديها. 


ولجت إلي المطبخ سريعاً تُعد الفطور، شاردة في هيئته التي رأتها منذ قليل. 


"صباح الخير" 

كانت تحيته التي جعلتها تنتفض بفزع، ألتفت إليه فتجمدت حين رأته أمامها مستيقظاً و مازال علي هيئته، كان الأمر لديه لا يقل عنها لأول مرة يراها ترتدي ثوب قصير وأنيق رغماً من الكنزة التي أثارت فضوله أن يرى الثوب كاملاً من دونها، خصلات شعرها المجمعة تعطيها مظهر جذاب و ستكون أكثر جمالاً إذا اطلقتها بحرية علي كتفيها. 

ردت التحية بتوتر وتتحاشي النظر إليه و هو يعلم السبب جيداً

"صباح النور يا أحمد، أنا قربت أخلص الفطار عقبال ما تغير هدومك" 


عقد ساعديه أمام صدره واستند علي الجدار بجانبه، رفع زاوية فمه بابتسامة ماكرة فأخبرها

"أنا مش هفطر دلوقتي، بس ممكن تعمليلي فنجان قهوة وهاتيه جوه عقبال ما أخد شاور"


أومأت إليه وتظاهرت بالبحث عن كوب القهوة الخزفي، ازدادت ابتسامته

"ما تتأخريش عليا بالقهوة" 


انتهت سريعاً من إعدادها وعادت إلي غرفته، وضعت الفنجان علي المكتب الذي يعلوه حاسوبه المتنقل، لاحظت إشعار وارد من برنامج الدردشة، كان صوت فضولها يحثها علي فتحها، ترددت في فعل ذلك والمبرر نطق به لسانها

"شكلك مقضيها يا أحمد بيه" 


فوبخها صوت آخر داخل عقلها

"و أنتي مالك؟، يقضيها و لا يعرف غيرك، بتغيّري عليه؟" 


"أغيّر ليه يعني؟!، بس المفروض يحترم نفسه و أنا علي ذمته، زي ما أنا بحترمه" 


سارت نحو باب الحمام لتتأكد إنه مازال يستحم فاطمئنت حينما سمعت خرير مياه صنبور الاستحمام، قامت بالضغط بالسهم لفتح الرسالة و كما ظن حدسها، قرأت اسم صاحبة الرسالة«Dodo Fouad» و المحتوي كالتالي

«يعني رجعت من السفر بقي لك كتير و مهنش عليك تكلمني أو ترد عليا ... هستناك النهاردة و لو ماجتش هتلاقيني قدام باب شقتك» 


جزت علي شفتها بغيظ فقامت بمسح الرسالة بلا تردد

"لما أشوف مين دودو فؤاد دي كمان يا سي أحمد" 


"دي كانت بتشتغل في الماركيتنج عندنا في الشركة" 

شهقت بفزع للمرة الثانية، ألتفت إليه وجدته يقف خلفها لا يستر جسده سوي منشفة حول خصره، نظرت إلي الجهة الأخرى و همت بالمغادرة

"أنا مسألتكش" 


أمسك يدها وأجبرها أن تلتفت إليه

"أومال أيه اللي خلاكي تفتحي الرسالة و تمسحيها؟" 


اتسعت عينيها بحرج والخجل يداهم وجنتيها، نظرت إلي أسفل 

"أنا، أنا...


باغتها بسؤال محاصراً حصونها المنيعة

"بتغيّري عليا؟" 


رفعت وجهها وتظاهرت بنقيض ما داخلها 

"و أغيّر ليه؟" 


"مش جايز تكوني حبتيني؟" 

ضربة أخرى وجهت إلي حصونها التي اهتزت وأخذت قراميدها في التساقط 


"لاء هو فضول مش أكتر" 

ابتسم إلي عنادها الأبي و عدم اعترافها بما يراه في عينيها، أخبرها بكلمات مبطنة

"عندك حق، هو الفضول اللي بيخلينا عايزين نشوف حاجات غيرنا مخبيها علينا برغم أنها من حقنا" 


لاحظت نظراته المتفحصة لكنزتها ذات الأزرار المغلقة، ابتلعت ريقها ظناً منها أنه يقصد فضولها حول معرفة من تكون صاحبة الرسالة، فسألته كالبلهاء

"و إيه هي الحاجات اللي غيرنا مخبيها؟" 


أخفي ابتسامته بعد إدراكه لبرائتها، تناول فنجان القهوة بعد أن ترك يدها

"زي مثلاً مين تكون دودو و علاقتها بيا كانت إيه؟، و يا تري العلاقة ما بينا وصلت لفين؟، كلها أسأله بتدور في دماغك و عايزة تعرفي الإجابة" 

ارتشف القليل من القهوة بصوت مسموع، زفرت بضيق لكشف حقيقة مشاعرها تجاهه أمامه، كادت أن تذهب

"مش عايزة أعرف، دي حياتك و أنت حر فيها" 


وقف أمامها ومنعها من الذهاب

"بس ما بقتش حياتي لوحدي، أنتي فيها معايا" 


أخذت تنظر إليه وتشعر بخليط أنفاسه مع رائحة القهوة، و دون أن تنتبه إلي الفنجان الذي يمسكه بيده حاولت دفعه من أمامها لتذهب، تحركت يده رغماً عنه وانسكبت القهوة الساخنة علي كنزتها وثوبها فصرخت بألم

"آسف مكنتش أقصد" 


ركضت سريعاً إلي الحمام، تفك أزرار الكنزة و قامت بخلعها وفتحت صنبور مياه الحوض، تغترف بيدها الماء و تلقي بها أعلي صدرها لتخفف ألم سخونة القهوة التي انسكبت عليه، و في اثناء انشغالها كان قد ولج و وقف خلفها ينظر إلي انعكاسها في المرآة، يزدرد لعابه ويرسم تفاصيل جمالها، فهو يراها الآن اجمل إمرأة في العالم داخل عينيه، تملك منه الشعور مجدداً، حب من نوع فريد لم يشعر به من قبل حتي مع الفتاة التي أحبها قديماً. 


تقابلت عينيه بعينيها عبر المرآه، شهقت للمرة الثالثة وجذبت منشفة معلقة تلقي بها علي كتفيها وتضم أطرافها بيدها

"أنت أزاي تدخل ورايا في الحمام؟" 


توترها ونظرة الخوف في عينيها كليهما جعلاه ينفصل عن كل شىء كان يشعر به منذ لحظات، زفر بضيق وأخبرها بسخرية

"أولاً أنا دخلت أطمن عليكي، تاني وأهم  حاجة أنا جوزك علي فكرة، و أظن أنتي فاهمة أنا أقصد إيه، مش كل ما نقرب من بعض ألاقي نظرة الخوف اللي أنا شايفها دلوقتي في عينيكي" 


"أنا مش خايفة، كل الحكاية أنا لسه مش مستعدة" 


اقترب منها واستند علي حافة الحوض محاصراً إياها بين ذراعيه 

"مش مستعدة و لا خايفة مكونش بحبك و بضحك عليكي عشان الورث اللي بابا كتبه باسم ابن أخويا؟!" 


هزت رأسها بالنفي وصاحت

"و لا ده و لا ده، أنا خايفة أسلملك قلبي و نفسي و بعدها تبعد عني، خايفة لشيريهان هانم تخيرك ما بيني وما بينها و وقتها مقدرش ألومك لو اختارتها و سيبتني، بس اللي مقدرش عليه و صعب أتحمله هو بُعدك عني، لأن أنا... 


صمتت وكان الإنتظار عدوه فحثها علي المتابعة

"أنتي إيه؟"


لُجم لسانها عن النطق من فرط التوتر الذي تشعر به الآن، و كان لجام لسانها حل لعقدة لسانه هو وإطلاق سراح كلمة احتلت قلبه منذ رؤيتها و خشي كثيراً من عواقبها حتي حانت لحظة التصريح بها عندما تأكد من تبادل المشاعر


"و أنا بحبك، بحبك من أول يوم شوفتك، بحبك لما شوفتك في كل حالة كنتي قدامي فيها، لما كنتي ضعيفة، لما كنتي قوية، لما كنتي قليلة الحيلة و محتاجة وجودي جمبك" 


أشار بيده نحو موضع قلبه ليكمل

"ده كان ميت و أنتي خليتي الحياة ترجعله من تاني، غيرتيني بعد ما كنت ضايع في عتمة و مش شايف غير كل اللي حواليا أسود في أسود، من الأخر أنتي النور اللي دلني لطريق الصح" 


أمسك يدها ويسطرد بكل ما في قلبه

"بحبك و عمري ما هتخلي عنك، و لو خيروني حتي لو كانت أمي، برضه مش هسيبك، الحاجة الوحيدة اللي تقدر تبعدني عنك هي الموت" 


شعور بالبكاء يُلح عليها بقوة، و هذا بعد أن استمعت إلي كل ما أخبرها به للتو، لم تصدق سمعها رغماً من صدق بصرها وهي تراه يدلي باعترافه أمامها. 

ارتمت علي صدره، احاطت جذعه العاري بذراعيها، فإذا كان الدمار يلحق بكل شيء من حولهما فهي في أمان وسلام بين يديه، كان لا يقل عنها صدمة في رد فعلها، بادلها العناق و التربيت علي ظهرها، أجهشت في البكاء وبللت صدره بدموعها، حملها علي ذراعيه وخرج من الحمام متجهاً بها نحو مضجعه ووضعها فوقه، حاوط وجهها بكفيه وأخذ يمسح دموعها بإبهاميه

"طيب بتعيطي ليه بعد كل اللي قولته لك؟" 


"خايفة لكون بحلم، وأفوق علي كابوس أصعب من اللي حصلي من سنين علي إيد أخوك" 


تجهم وجهه ثم حاول أن يظهر نقيض ذلك، شبه ابتسامة ظهرت علي شفتيه، مال نحوها وقام بتقبيل جبهتها ثم استند عليها بجبهته، يخبرها بكل طمأنينة يحملها لها

"ما تخافيش يا علا، عمري ما هعمل حاجة تأذيكي أو تجرحك، اللي يزعلك كأنه زعلني، بوعدك هفضل أمانك و حمايتك من أي حد يحاول يقرب منك أو من حمزة بأذي" 


رفعت يدها لتضعها فوق يده، تريح خدها علي راحة كفه وتبتسم إليه من بين دموعها وتخبره

"أنا عمري ما حسيت بالأمان غير وأنت معايا، بحبك" 

قامت بطبع قبلة بشفتيها في منتصف كفه، غر فاه وقلبه ينبض بقوة، قبلتها له في يده كانت كالنيران التي اشتعلت في جسده، أخذ يحدق إليها بنظرات عاشق غارق في بحور عينيها، بينما هي قد تملكت منها النيران أيضاً، نهضت أمام بصره الذي لا يحيد عنها، ذهبت لتغلق الباب ثم عادت إليه ووقفت أمامه، أسقطت المنشفة من أعلي كتفيها، نهض واقترب منها و أدرك إشارة الاستسلام من نظرات عينيها، مد يده إلي مشبك شعرها وقام بخلعه فانسدلت علي ظهرها خصلات شعرها الغجري الذي يعشقه وأمسك بجزء منها وأخذ يستنشق رائحة عطرها الطبيعي المتيم به. 


كانت هنا لغة العيون تبوح بما تخفيه الصدور، عشق تحدي الصعاب وعبر كل الأبواب المغلقة،  كنبتة ولدت أسفل الركام فشقت حطام الحجر لترى النور و لو كان من بين شقوق الصخور. 


تركت أنفه خصلات شعرها وانتقلت إلي ما بين عنقها وكتفها، لم يكتفي بشم رائحتها لتشارك شفاه باللمس، يُقبل موضع العرق النابض، يشعر بنبضاتها بين شفتيه التي اضرمت النيران، تغمض عينيها وتتمسك بعضديه، تنتقل قبلاته من العنق إلي حافة عظام فكها السفلي مروراً بشحمة أذنها مما تسبب لها القشعريرة، فتحت عينيها وهمست بحروف اسمه

"أحمد" 


انسحبت شفاه ليسألها من خلالها عن وقع همسها الذي جعله أسير بين يديها وذلك بنبرة ذات رنين رومانسي جذاب

"عيون و روح قلب أحمد؟" 


تحدق في عينيه بنظرة تفيض بالهوێ، حررت حروفها من بين شفتيها 

"أوعدني عمرك ما هتتخلي عني مهما حصل" 


ابتسامة عاشق زينت ثغره و عيناه ذات لون القهوة تخبرها بصدق قبل أن يبوح به لسانه 

"رغم أن وعدتك قبل كدة، بس هقولهالك تاني، أنا عمري ما هتخلي عنك أبداً إلا في حالة واحدة" 


اتسعت عينيها وافترقت شفتيها في إنتظار أن يكمل حديثه حيث أردف

"لما أموت" 


احتضنته علي الفور وتعقب بعد أن دب الرعب في قلبها من تخيل رحيله 

"بعد الشر عليك، أنت لاقدر الله جرالك حاجة أنا ما أقدرش أعيش من غيرك" 


أبعدها لينظر صوب عينيها وكلا كفيه يحاط وجنتيها، يسألها و لم يصدق ما يسمعه من حب جم

"بتحبيني أوي كدة؟" 


أومأت إليه بنعم ورغماً عنها امتلأت عينيها بالدموع

"كلمة حب قليلة أوي علي اللي جوه في قلبي ليك" 


جذبها بين ذراعيه وعانقها بقوة حب جامحة 

"بحبك، بحبك أوي" 

ليست شفاه فقط من تتفوه بمشاعره تجاهها بل كان هذا صوت فؤاده النابض بعشقها، أخذ يقبل كل ما يقابل شفتيه، جبهتها، عينيها، وجنتيها، طرف أنفها إلي أن استقر أخيراً علي مبتغاه، كم تخيل تلك اللحظة وكم فعلها في أحلامه، يتوق إلي معانقة شفتيها بخاصته وكأنها قُبلة المحياه. 


و قد أصبح حلمه واقعاً حينما احتضنت شفتيه شفتيها كما تطوق ذراعيه جذعها بحميمية، انفصل عن الزمان و المكان ولم يريد أن تنتهي تلك اللحظات، لحظات اعتراف كليهما بحب الآخر بعد التحرر من قيود الخوف من المجهول كما تحرر جسدها من الثوب الأرجواني و ألقت بنفسها لتصبح غريق في بحور عشقه. 


                    ༺※※※༻

تخترق رائحة المُخدر الطبي أنفها وتصاحبه رائحة المعقم المستخدم في تطهير كل شىء داخل المشفي، ألتقط سمعها صوت تميزه جيداً

يسأل شخص آخر بقلق

"هي هاتصحي أمتي يا دكتور؟" 


نظر في ساعة معصمه 

"كلها عشر دقايق وهيروح مفعول المسكن" 


ألتفت إليها وجدها مازالت تغط في النوم، بينما هي مستيقظة لكن غير قادرة علي فتح عينيها أو التحرك من أثر المخدر. 

و بعد مغادرة الطبيب للغرفة، جلس علي طرف السرير الطبي جوارها أمسك بيدها وحاصرها بين يديه، يحدق إليها بندم وأسف

"حقك عليا يا حبيبتي، يا ريتني سمعت كلامك، بس والله ما خونتك زي ما أنتي فاهمة، لما تقومي بالسلامة هحكيلك علي كل اللي حصل، قومي أنتي بس و مستعد لأي حاجة هتقوليلي عليها، و مستعد كمان لأي عقاب يرضيكي بس بلاش طلاق، أنا بحبك يا خديجة وياما مرينا باختبارات عرف كل واحد فينا قيمة التاني بالنسبة له إيه" 


كل حرف يمر بسمعها وذاكرتها تكرر لها مشهد رؤيته داخل مكتبه، تعانقه الصهباء و تقبله، كيف سمح لها بذلك؟!، و لما أعطاها فرصة التقرب إليه مرة أخرى؟! 

تشوش مفاجئ علي ذاك المشهد يليه ألم في الرأس أجبرها علي الإستيقاظ والوعي الكامل

، فتحت عينيها فتلاقت بخاصته. 


و في الخارج تنتظر شيماء مع زوجها ريثما شقيقته تستيقظ

"هو أنا ليه كل ما أسألك جوز أختك هبب إيه تتهرب مني بحوارات ملهاش لازمة؟" 


عقد ما بين حاجبيه بضيق

"لأنها أسرار ما بينه و ما بين أختي، و لما تصحي بالسلامة أبقي أسأليها ولو عايزة تقولك هتقولك" 


رفعت زاوية فمها جانباً بسخرية

"ما هي كل حاجة واضحة، شكل البيه خانها مع البت اللي كان عمك الله يحرقه قصدي الله يرحمه كان عايز يجوزهاله" 


حدق إليها بامتعاض ممتزج بالغضب

"شيماء، أتلمي" 


"اه منكم يا رجالة عيلة البحيري، ملكمش أمان و ينفتلكم بلاد، يا عيني يا خديجة يا حبيبتي، ما قدرتش تستحمل اللي عمله جوزها وشالت المرارة أومال لو عمل مصيبة تانية هيحصلها إيه يا تري، ده مش بعيد ممكن يجيلها جلطة وتتشل فيها بعد الشر عليها" 


باغتها طه بقبضته علي ذراعها و يحذرها من بين أسنانه

"أنا اللي هقطعلك لسانك ده لو نطقتي بحرف تاني" 


"اه دراعي، خلاص هاتكتم خالص أهو" 

و وضعت كفها علي فمها، عقب بنفض ذراعها بازدراء 

"يبقي ريحتي و ريحتيني و ريحتي البشرية كلها، أنا رايح أشرب لي فنجان قهوة يضيع الصداع اللي جالي بسببك" 


تركها وذهب، ضيقت عينيها بوعيد تفوهت به و لم يسمعه هو

"كلامي طبعاً مش علي هواك، ما أنت من آل البحيري، و قلبي بيقولي بتلعب بديلك من ورايا، يا ويلك و سواد ليلك يا طه لو إحساسي طلع صح، ساعتها محدش هيرحمك من إيدي أنت والبت أم شفايف و بالونات منفوخين عند العجلاتي" 


بالعودة إلي داخل الغرفة، كان يعم الصمت بينهما، تبادل نظرات فقط، تحدق إليه بكم جم من اللوم لكن دون عتاب، لما العتاب وهي مازالت علي قرارها و لم يشفع له ندمه وحديثه الذي استمعت له منذ قليل. 


"حمدالله علي السلامة يا حبيبتي" 

كأن لم يكن يتحدث إليها، أخذت تنظر من حولها و حاولت تذكر أحداث البارحة، رفعت يدها وجدت إبرة المحلول مثبته في أحد أوردة يدها اليسري، حاولت النهوض، فقام سريعاً لمساعدتها، واضعاً ذراعيه حول جذعها 

"علي مهلك براحة عشان الجرح اللي في بطنك" 


انتبهت إلي كلماته، اتسعت عينيها وسألته 

"جرح إيه؟" 


"ما أنتي لما أترميتي علي الأرض و فضلتي تصرخي خدتك بسرعة علي أقرب مستشفي وطلع أنك لازم تشيلي المرارة" 


"ابعد عني" 

صاحت بها ودفعته بقوة ضعيفة من أمامها فتراجع إلي الخلف، تابعت

"أنا افتكرت كل حاجة، و سبب اللي أنا وصلت ليه أنت السبب فيه" 


"اهدي بس و بلاش تتعصبي عشان جرحك و لما نروح القصر و نقعد في أوضتنا هنتكلم و أفهمك كل حاجة" 


"نروح؟!، اسمها أنت تروح القصر ومش عايزة أشوف وشك خالص، و لا عايزة أفهم و لا أعرف، مبرراتك كلها من قبل ما تنطق بيها و لا هتغير حاجة من قراري" 


زفر بنفاذ صبر ثم أخذ يردد الاستغفار 

"أنا مقدر تعبك و حالتك النفسية و أنك لسه قايمة من العمليات، عشان كدة مش هعاتبك و لا هحاسبك علي كلامك" 


ابتسامة هازئة احتلت شفتيها تابعها قولها الساخر

"اه يا حبيبي يا حنين ياللي بتخاف عليا وأنا طلعت ظالمة ومفترية" 


مسح علي وجهه بكفيه ثم رفع سبابته أمامها 

"خديجة كفاية، و بلاش تختبري صبري أكتر من كدة، أنا مراعي تعبك ولولاه كان زمان رد فعلي مش هايعجبك" 


داهمها ألم في بطنها موضع الجرح فتحاملت ولم تتألم أمامه

"طيب و علي إيه وجع القلب ده كله؟!، تعالي كل واحد فينا يروح لحاله أحسن، و ما تقلقش مش هاخد منك مؤخر و لا أي حاجة من اللي عمي الله يرحمه أجبرك تكتبها لي في عقد الجواز" 


كان ينظر إليها بتعجب ولم يصدق ما يسمعه، جز علي أسنانه وأراد ركل كل شىء أمامه، لكنه أكتفي بعصر قبضة يده، هز رأسه في صمت ونظرات عينيه جعلتها تبرح التحديق إليه وتنظر في الجهة الأخرى 

"أنا رايح أنده للدكتور و لو سمح بخروجك النهاردة، هاخدك علي شقتنا عشان هيبقي لينا قعدة مع بعض و كلام كتير أوي ما ينفعش يخرج ما بيني و ما بينك" 


ألتفت إليه وبنظرة تحدي ونبرة شديدة اللهجة

"و أنا يا آدم هخرج من هنا علي بيت بابا الله يرحمه، و في طريقي هنروح للمأذون تطلقني، يا كدة يا هكلم المحامي أعمله توكيل برفع قضية طلاق" 


وقبل أن يتحول الهدوء إلي عاصفة قاطعها طرق علي الباب ثم فُتح وظهرت شيماء التي ابتسمت إلي صديقتها

"حمدالله علي السلامة يا ديجا" 


واقتربت لمعانقة صديقتها 

"الله يسلمك يا شيماء، معلش تعبتك معايا" 


"ما تقوليش كدة لأزعل منك" 

كانت الأخرى تحدق بازدراء إلي آدم الذي زفر بحنق وفاض به الأمر و حتي لا يفلت زمام صبره همّ بالمغادرة 

"أنا رايح للدكتور" 


غادر بالفعل وأغلق الباب بقوة جعلت كلتيهما تنتفض بفزع، ألتفت شيماء إلي الأخرى 

"أنتم أتخانقتوا تاني و لا إيه؟، و اه صح إيه حكاية أنك عايزة تتطلقي دي كمان؟، أنا معرفش إيه اللي حصل بالظبط بس اللي فهمته أن فيه سوء تفاهم" 


"و لا تاني و لا تالت يا شيماء، أنا خلاص تعبت ومعنديش طاقة أستحمل، طه عارف كل حاجة و مع ذلك مش هيغلطه، و أنتي كمان ياريت ما يكونش سؤالك عن الطلاق عشان تنصحيني أتراجع و أفكر، أنا أخدت قراري و مش هتراجع عنه" 


حدقت الأخرى بأسف وربتت علي كتف صديقتها

"أنا معاكي في أي حاجة تكون فيها راحتك، بس واجب عليا كصديقة قبل ما أكون مرات أخوكي، أنصحك وأقولك بلاش الحل ده، الطلاق مش كلمة سهلة وعواقبها أصعب، خصوصاً لما بتكونوا بتحبوا بعض و بينكم ولد زي القمر ربنا يبارك لكم فيه، لازم تفكري في ابنك و بيتك الأول" 


"أنتي لو مكاني مش هتقولي كدة، أنا سمحته وأديتله فرصة مرة و أتنين، التالتة خلاص، مهما قال أي عذر أو مبرر مش هسامحه" 

كان حديثها مصحوباً بغصة تبعها دموع ذُرفت من عينيها المليئة بالحزن


"بلاش عياط عشان الجرح اللي في بطنك ما يحصلوش حاجة، قومي أنتي بس بالسلامة و بإذن الله اللي فيه الخير يقدمه ربنا وأنا وأخوكي معاكي و في ضهرك" 


طرق علي الباب تبعه دخول آدم و خلفه الطبيب وتتبعه الممرضة، مسحت خديجة دموعها سريعاً قبل أن يلاحظها زوجها

"حمدالله علي السلامة يا مدام خديجة؟" 


"الله يسلمك يا دكتور؟" 


"حاسة بإيه دلوقتي؟" 


تبادلت النظر مع آدم الذي يقف ساكناً ثم نظرت إلي الطبيب وأخبرته

"ألم بسيط في الجرح" 


"ده طبيعي عشان مفعول المسكن راح، هنحطلك في المحلول جرعة تانية مع الـ antibiotic و هنبص علي الجرح" 


ألتفت إلي كلا من آدم و شيماء 

"معلش ممكن تستنوا برة عقبال لما أخلص فحص، أو ممكن آدم بيه يستني كزوجها و مرافق ليها" 


عقبت خديجة بإصرار

"لاء، صاحبتي اللي هتقعد معايا كمرافق لحد ما أخرج من هنا" 


كانت كلماتها كأن سكبت دلو ماء فوق رأس زوجها، و رد فعله نظرة نارية تنضح من عينيه وأسنانه علي وشك أن تتحطم من الجز المبالغ من شدة غضبه، حاول علي قدر التمكن من التحكم في تلك النيران الحارقة وابتسامة علي وجهه تخفي خلفها وعيد مظلم 

"تمام، أنا كدة كدة كنت هخرج" 


واقترب منها و دنا بالقرب من أذنها هامساً 

"هما يومين بس هسيبك ترتاحي فيهم عند أخوكي وهاجي أخدك علي شقتنا القديمة، و بالنسبة للطلاق تنسي الكلمة دي خالص عمري ما هنولهالك طول ما أنا عايش، و عافية  زوق هاتسمعيني يعني هاتسمعيني، سلام مؤقت يا حبيبتي" 

ربت علي خدها بخفة و مَنْ يراه يظن أنه يغدق عليها بحنانه وكلمات مؤازرة وحب، وقف فجأة و ذهب أمام عينيها، تمنت أن لا يوجد سواها في الغرفة كانت أطلقت صرخة تخرج بها كل ما تشعر به من الغضب والحنق معاً، لكن هنا للصبر مكاناً و لكل مقام عنواناً ستخطه بيدها لاحقاً رغماً عن أنفه. 

...... 

Weaam Medhat
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع روايات سلمى سمير .

جديد قسم :

إرسال تعليق