*بسم الله الرحمن الرحيم*
*************الحلقة الواحد وعشرون**************
" قصر رَحيم "
لم تنم منذُ الأمس لا تعلم كيف حالفها الحظ وفرت من بين قبضتُه ولكن حتى لو لم يحالفها الحظ حينها لتهرُب كانت ستنهي حياتها بنفسها أهون من أن يمسها هذا الحقير.. بكت كثيرًا ولم تجف عِبراتها منذُ الأمس تخشى الخروج من باب غُرفتها ورؤيتُه فترتعب ويعلم أحد بشأن ما حدث فهي بالتأكيد لن تُخبِر أحد بما حدث.. حتى هو رَحيم ذلك الشخص الذي جعل من منزلُه مأوى لها لن تستطِع أن تُجلِب له المشاكل بأمرًا كهذا فهي تشعُر بأن الأمر أكبر من حارس إنساق خلف رغبتُه بها بل هناك حدس قوي بداخلها يُخبِرها بأن الأمر أكبر من ذلِك وهي لن تقوى على التصدي له.. دفنت وجهها بين كفيها وإنفجرت للمرة التي لا تعلم عددها في البُكاء وهمست قائلة من بين شهقاتها:- يارب ساعدني يارب؛ أنا مش عايزة أرجع للطريق دة تاني يارب؛ أنا توبت والله توبت بجد ومش عايزة أبقا كدة؛ ساعدني يارب وإحميني من شر نفسي ومنهم يارب..
وآخيرًا إنتهت من بُكائها الحاد الذي يقطع نياط القلوب ونهضت حتى تستعد لعملها ليوم آخر بهذا القصر الذي لا تعلم ما يُخبئُه لها وعلى الرغم من إجهادها الجسدي والنفسي إلا إنها تحاملت على نفسها وإرتدت الزي الخاص بالخادمات ثُم خرجت من غُرفتها وتوجهت نحو غُرفة الطعام حيثُ عملها وجدت خادمتان فقط ومعهُن المُربية رحمة التي هتفت ماأن أبصرتها:- صباح الخير يازهور؛ إيه اللي أخرك ف الصحيان ياحبيبتي النهاردة..
تنحنحت حتى تُجلي صوتها من حشرجة البُكاء وهمست بخفوت:- أسفة راحت عليا نومة يادادة..
تأملتها قليلًا ولاحظت شحوب وجهها وعيناها التي تدُل على إنها لم تذُق طعم النوم مُطلقًا وأرادت أن تستفسر عما أصابها ولكنها أثرت الصمت لوجود الخادمات معهُن وهتفت قائلة بهدوء:- ولا يهمك ياحبيبتي يلا إبدأي..
اومأت لها بطاعة وبدأت عملها بفتور وعدم رغبة في فعل أي شئ سوى أن ترحل بعيدًا عن هنا ولا تعلم أي مصير سيُقابلها بالخارج أو أن تموت لترقُد روحها بسلام لم تجدُه بعالم الأحياء.. وبينما هي مُستمرة بعملها إقتربت منها المُربية رحمة قائلة بهدوء:- زهور؛ رَحيم بيه عاوز القهوة بتاعتُه؛ إعمليها ودخليها المكتب..
أومأت لها بنعم وبدأت في عمل القهوة وتفكيرها إتجه إلى أمر هذا الرَحيم كإسمُه والذي أدخلها منزلُه بالرغم من كُل مايعرفُه عنها ولم يتجرأ يومًا على إهانتها أو الأقتراب منها لا تعلم هل مايفعلُه حقيقي أم إنهُ كغيرُه ممن قابلتهُم بحياتها ومايفعلُه هذا ما هو إلا صورة مُزيفة يُداري بها حقيقتُه عنها.. نفضت رأسها بقوة وكإنها تنفي عنهُ هذه الإتهامات التي يوجهها لهُ عقلها بينما القلب لهُ رأي آخر.. تذكرت مجيئُه إلى المطبخ الذي تكرر بكثرة بالأونة الماضية تحديدًا منذُ أن عرف بعملها كخادمة.. لا تعلم هل مايحدُث صُدفة أم شئ آخر.. إبتسمت بسُخرية مريرة بداخلها قائلة:- إحلمي على قدك يازهور؛ إنتِ فين وهو فين؛ هو الأمير وإنتِ البت الفقيرة لا ومش فقيرة وبس دة إنتِ مُصيبتِک أكبر من كدة؛ ولو عرفتي تحاربي فقرِك مش هتعرفي تحاربي ماضيکِ؛ بلاش تتعشمي اللي زيك الحياة مستكترة عليهم الفرحة..
أخبرت نفسها بهذا الحديث ثُم إنتهت من صُنع القهوة وحملت الصينية متوجهة نحو غُرفة مكتبُه وهي تحاول ألا تُظهِر أي شئ على ملامحها حتى لا يسألها عما بها ولكنها تستبعِد ذلِك.. طرقِت الباب فوصلها صوتُه العميق ليسمح لها بالدخول تنهدت بتعب وهي تُجاهِد لتُسيطر على ضربات قلبها الذي إرتعش بمُجرد إستماعها لصوتُه وفتحت الباب ثُم دلفت إلى الداخل بهدوء ولم تنظُر لهُ إقتربت من المكتب ووضعت القهوة أمامُه قائلة بهدوء مُتسائِل:- حضرتك تؤمر بحاجة تانية؟؟
لم يُجيبها وهو يتمعن النظر في ملامحها الشاحبة وعيناها الذابلة وقد صدق حديث المُربية رحمة عندما أخبرتُه منذُ دقائق بحالة زهور الغريبة.. نهض من مقعدُه وتقدم منها وهو يراها وهي تتحاشى النظر إليه فتوقف أمامها هامسًا بنبرة خافتة عميقة:- مالِک..؟؟
توترت ولم تعرِف بما تُجيبُه ولكنها تماسكت بالنهاية قائلة بهدوء مُصطنع ومازالت تتحاشي النظر إليه:- مفيش حاجة يارَحيم بيه؛ لو حضرتك مش عاوز مني حاجة تانية ممكن أرجع شغلي..
أدرك بتِلك اللحظة أن هُناك شئ ما حدث لها ولا ترغب في أخبارُه به فهو لم يخفي عليه حالتها التي بدأت بالتحسُن الأيام الماضية ومُشاركتها الحديث مع الخادمات حتى لو كان حديث مُقتضب ولكنهُ يظل أفضل من صمتها الذي كانت تتخذُه درع حامي لها بأيامها الأولى هُنا بالإضافة إلى ملامحها التي كانت قد بدأت في الإسترخاء والتخلي عن جمودها قليلًا عكس حالتها الآن همس هو بحنو قائلًا:- طب مش بِتبُصيلي ليه وإنتِ بتتكلمي..!!
حاولت أن تُسيطر على تِلك الرعشة التي أصابت جسدها بعد أن إلتمست هذه النبرة الحنونة بصوتُه وبدون أدنى إرادة منها رفعت لهُ أنظارِها ليذوب بقطعتي الشيكولاتة اللتان تلمعان بمقلتيها ويُصدم من هذا الحُزن البادي عليهُما بينما هي تاهت بغاباتُه الخضراء ولا تعرف كيف يُمكِن أن تستفيق من مغناطيس عيناه الذي يُجذِبها أكثر وبينما هما بغمرة مشاعرهما صدح صوت طرق على الباب يليه دلوف أحدهم قائلّا بنبرة خشنة:- إحنا جاهزين عشان نتحرك ياباشا..
أبعد عيناه عنها بصعوبة وأشار إلى حارسُه ليرحل بينما هي تجمدت بمكانها بمُجرد أن إستمعت إلى صوتُه الذي لم يترُك أذُنيها منذُ الأمس إلتفتت برأسها ببُطء لتنظر لهُ قبل أن يرحل لتجدُه يُرسل لها نظرة إرتعبِت لها أوصالها ورحل وبمُجرد أن إختفى حتى تعالت ضربات قلبها برُعب ولم تستطِع التنفُس وتساقطت عِبراتها شعرت بظلام دامِس يبتلعها لتغرِق به وبالفعل لحظة وسقطت مغشية عليها بين ذراعي رَحيم الذي تلقفها بين أحضانُه بلهفة ممزوجة برُعب لم يشعُر به قبلًا وهو يهتِف بإسمها بفزع لا مثيل لهُ.....
*********************************************
تعطلت حركة السير على ذلِك الطريق السريع بسبب حادِث أليم حدث مساء أمس وعلى مايبدوا إنهُ لم ينجو أحد فالحادِث بشِع للغاية ولا يتوقع أحد نجاة من كانوا بالسيارة.. وبالفعل قام عامل الإسعاف بتغطية وجه ذلِك الجُثمان والذي لم يكُن سوى جُثمان سُهيل.. يالله ماأبشع تِلك الموتة بل والأصعب كيف سيُقابل وجه كريم وهو مُثقل بكُل هذه الذنوب.. بالتأكيد كان لديه فُرصة حتى يتوب ولكنهُ لم يفعل وحان وقت اللقاء وها هي قد آتت اللحظة الحاسِمة ولم يفعل مايستطِع أن يواجِه به ربُه.. أما عن الفتاة أخرجها المُسعفون من السيارة بصعوبة ثم قاموا بنقلها سريعًا إلى المشفى لإنقاذها قبل فقدها.. وصل إحد الضُباط إلى موقع الحادِث وتقدم من الجُثمان وقام برفع الغطاء ليرى وجه المتوفي ويدعوا لهُ بالرحمة وأعاد الغطاء مرة آخرى تقدم منهُ ضابط أخر قائلًا بهدوء:- حمدالله ع السلامة يارامي باشا..
رامي بهدوء:- الله يسلمك؛ معرفتوش الجُثة دي لمين؟؟
الضابط بجدية:- لدكتور جراح إسمُه سُهيل عبدالحي؛ وبتوع المعمل الجنائي شغالين ياباشا ومفيش أي إشتباه لحد دلوقتي إن الحادثة مُدبرة..
اومئ لهُ رامي بشرود وهو يحاول أن يتذكر اين سمع ذلِك الإسم من قبل أخرج هاتفُه ثُم ضغط على عدة أرقام وإنتظر أن يُجيب الطرف الأخر وآتاه الرد سريعًا فهتف بجدية قائلًا:- ألو؛ إسلام بقولك إيه؛ عايزك تعرفلي إسم الدكتور اللي عمار وآدم كلفونا قبل كدة نراقبُه بس بسرعة..
أجابُه إسلام بهدوء:- حاضر ثواني كدة..
مضى عِدة لحظات حتى هتف إسلام بجدية:- سُهيل عبدالحي؛ بس إنت بتسأل ليه؟؟
قص عليه رامي كُل ماحدث ليهتف إسلام بصدمة:- يانهار إسود؛ دة سُهيل دة طرف الخيط اللي ف القضية لازم عمار يعرف هو وآدم دلوقتي..
أغلق معُه إسلام الهاتف ثم قام بالإتصال على على رقم عمار ولم يُجيبُه عاود الأتصال مُجددًا حتى أتاه الرد....
قبل ذلك الوقت بقليل كان عمار يقف أمام أيهم الذي يُطالعُه بضيق فهتف عمار بضجر:- بقالي ساعة بقولك مكنش قصدي أتهمك بحاجة م اللي ف دماغك؛ أنا بس إتصدمت وأڤوارت ف رد فعلي شوية بس..
لم يُجيبُه أيهم فهتف عمار بغيظ:- متبقاش عامل زي البنات قموصة كدة؛ إنشف شوية يا......
إتسعت أعين أيهم لتِلك السُبة وهتف قائلًا من بين أسنانُه:- لسانك زفر أوي ياعمار؛ حقيقي الشُغل ف الداخلية مع المُجرمين طفح عليك..
عمار بسُخرية مرحة:- إنتِ بتتكسفي من الشتيمة يابيضة..
نظر لهُ أيهم بغيظ وأطلق سُبة مُشابهة لسُبة عمار الذي إنفجر ضاحكًا وهو يهتف من بين ضحكاتُه:- طب ماأنت حلو أهو أمال ف إيه بقا..
هتف أيهم بذهول:- وهي الحلاوة عندك كدة لا حول الله يارب ربنا يشفي..
كاد عمار أن يُجيبُه ولكن لمح سالين تسير بالحديقة بمُفردها فترك أيهم دون أن ينطق بحرف ورحل خلفها فهتف الأخير قائلّا بتعجب:- لا إله إلا الله؛ الواد اتجنن..
توجه عمار خلف سالين فرآها تجلس بمكان هادئ بالحديقة الخلفية ذلِك المكان الذي كان يلعبا به بأيام الصِغر بجانب شجرة البُرتقال التي زرعها لها بعد أن تعلم من والدُه كيفية الزراعة لتكُن أول تجاربُه بتِلك الشجرة لإنهُ يعلم عِشقها للبرتقال جلست على مقعد وبدأت بقرآة كتاب ما توقف خلفها يتأملها بعِشق لا يصدِق إنهُ مر عليهما يومًا لم يتحادثا به بعد أن كان لا ينام سوى على صوتها ولا يستيقظ إلا على صوتها إيضًا والآن لا يستطيع أن يُلقي عليها السلام حتى والسبب غبائُه وتهورُه تنحنح قائلًا بخفوت:- سالين..!!
إنتفضت آثر صوتُه وإلتفتت لهُ وهي تنظُر لهُ برُعب فهتف قائلًا بتعجب:- إنتِ إتخضيتي من صوتي!!
نظرِت لهُ بإشتياق فهذه المرة الأولى التي يآتي عليها يوم لا تتحدث به معُه ولكن غضبها منهُ يفوق شوقها هذه المرة.. لقد جرحها بشكُه بها ولا تعلم كيف فعل ذلِك وهي التي لم ولن تُحِب رجُل سواه منذُ أن عرفت للحُب طريقًا فعمار هو الحُب والحُب هو عمار نبرتُه جعلت الحُب والشوق يتسللا إلى قلبها ولكنها تماسكت قبل أن تضعف أمامُه وترتمي بين أحضانُه وتُخبِرُه كم تُحِبُه وتشتاقُه ثُم همسِت قائلة بالامبالاة:- كُنت سرحانة ف الرواية ومحسيتش بيك عشان كدة إتخضيت..
تركتُه يقِف كما هو وأعطتُه ظهرها ثُم جلسِت تُكمل روايتها وكأنهُ ليس موجودًا تنهد بصبر هو يعلم إنهُ أخطأ بحقها وعليه أن يتحمل ردة فعلها تحرك وتوقف أمامها مباشرة يتأملها بحُب وندم بينما هي تتصنع الإنشغال بالرواية ولكنها تُتابعُه خِلسة بطرف عيناها همس هو بنبرة خطيرة على قلبها الصغير:- إنتِ قد دور التجاهُل اللي عيشاه دة يابنتي إنتِ..
كادت إبتسامة تنفلِت من بين شفتيها بسبب طريقتُه بالحديث ولكنها كبحتها بصعوبة ونظرت لهُ ببرود قائلة:- أنا مش بتجاهلك وهتجاهلك ليه لاسمح الله؛ مزعلني ولا حاجة..
إرتسمت إبتسامة ثعلبية على شفتيه تُنذِر بالكثير وهمس ببُطء قائلًا:- لا دة أنا تقريبًا مزعلك أوي ع النبرة الباردة اللي شاممها ف صوتِك دي..
نظرت لهُ شزرًا على سخافتُه معها ولم تُجيبُه وأعادت نظراتها إلى الرواية وبلحظة كانت ترتفع عن مقعدها وقبض على خلفية ملابسها يُمسك بها كاللصوص تِلك الحركة المُعتادة التي تغتاظ منها بشدة.. شهقت بصدمة وصرخت بغيظ قائلة:- إيه اللي بتعملُه دة!! سيبني يابني أدم..
هزها بين يديه ببعض القوة حتى لايؤلمها ثم همس قائلًا بنبرة خالية من المرح:- لا ياختي مش بني أدم أنا عفريت وهطلعلك ف كُل خرابة؛ عملك الأسود ف الدنيا بقا هتعملي إيه..
جزت على أسنانها بغيظ وهي تحاول الفكاك من بين قبضتُه دون جدوى:- إبعد عني ياعمار؛ إنت ليك نِفس تهزر معايا بعد اللي إنت عملتُه؛ فكرك إن هعدي حتت إنك تشُك فيا دي بالساهل؛ لا مش أنا ياحبيبي مش أنا..
إرتخت أصابعُه عن ملابسها وقبض بكفُه الآخر على كتفها يُثبِتها أمامُه ثُم إستحوذ على نظراتها وهمس بنبرة لم تسمعها منهُ قبلًا:- سالين؛ تُبقي مجنونة لو فكرتي لحظة إني مُمكن أشُک فيكِ؛ أنا عارِف إني عكيت الدِنيا معاكِ؛ بس إنتِ برضُه عارفة أنا بغير عليكِ أزاي بتجنن لما بشوف أبوكي بيحضُنِك وإنتِ بتضحكيلُه؛ يستحيل أشُك فيكِ أو ف المُهزق التاني؛ بس قدري إن دي حاجة خارجة عن إرادتي؛ سالين ضحكتِک دي حصري ليا بس؛ أنا راجل طبعي كدة بغير ع اللي معايا من الهوا الطاير؛ أصل أنا مكسبتكيش ف كيس شيبسي عشان أهمل فيكِ أو أقلل غيرتي عليكِ؛ أنا طلِع عين أبويا عشان بس أخطُبِك؛ وقولتلِك قبل كدة ياسالين؛ إنتِ ملكيش مفر مني؛ ملكيش مفررررر منييي..
إرتعشت كُليًا من حديثُه الذي هز أوتار قلبها؛ تأوهت داخليًا من هول مشاعر العِشق التي تعصِف بعيناه بتِلك اللحظة؛ لم تبتعِد عن حصار عيناه لها وهمست قائلة بصوتها ذو البحة المُحببة لقلبُه:- عمار أنا عارفة إنت بتحبني قد إيه؛ وبرضُه عارِف أنا بعشقک قد إيه؛ بس إنت وجعتني أوي ياعمار بكلامك؛ مصدقتش إن الكلام دة طالع منك إنت ومتوجِه ليا أنا..
حاوط وجهها بكفيه ثُم هتف قائلًا بندم:- أنا أسِف ياسالين؛ حقيقي غلطة ومش هتتكرر..
إبتسمت لهُ بعشق وذابت بين نظراتُه بينما هو كان يلتهِم ملامح وجهها حتى توقفت نظراتُه عند شفتيها الصغيرة أراد أن يقتطِف بتلات الورد تِلك مرة أخرى ولكن سالين لم تُعطيه الفُرصة وهي تُشيح بوجهها بعيدًا عنه بخجل بالغ ليتنهد هو بإرهاق ف متى يُحين موعد الذوبان في فيضان عِشقک ياأميرتي.. صدح رنين هاتف عمار بتِلك اللحظة التقط الهاتف وأجاب على الإتصال ف آتاه صوت إسلام قائلًا بجدية:- عمار باشا؛ في خبر لسة واصلي حالًا؛ سُهيل عبدالحي مات إمبارح بالليل ف حادثة عربية..
*********************************************
الحُب هو أسمى المشاعر التي من المُمكن أن تمُر على المرء بالأخص حين يآتي لنا حُب صادق خالص يدُق بابِنا حينها ننجرف خلف هذه المشاعر الجديدة التي نختبرها للمرة الأولى دون أن نُدرِك العقبات ولكن للحُب لعنات؛ ف إحذر سيدي قد تُصيبک أحداهُن...
كانت تجلس حور بغُرفتها تُفكر بحياتها القادمة ف الدراسة على الأبواب وهي ستعود مع باقية العائلة حتى تبدأ دراستها.. بداخلها شغف قوي حتى تُحقق أحلامها وتبدأ بمجال عمل حقيقي وتستطيع أن تُثبِت نفسها كإمرأة وبالأخص إذا كانت إمرأة من إحدى قُرى الصعيد فهُنا يكون للنجاح مذاق آخر.. ولكن هُناك حلم بعيد المنال ترغب في تحقيقُه بشدة وهو أن تُحب وتتزوج وتُنجِب العديد من الأطفال وتنعم بدفء أحضان شريك حياتها ولكن ليس كُل مايتمناه المرء يُدرِكُه.. هذا الحلم تحديدًا لن تستطِع تحقيقه وللأسف السبب قهري.. إبتسمت برضا على كُل ما وصلت إليه بحياتها فهي كانت على حافة الموت بسبب ذلِك الحادث الذي أصابها منذُ مُدة لا بأس بها ولكنهُ ترك لها بصمة وستظل تتذكرُه ما حيت.. نظرت بجانبها إلى جهاز المقومات ذلِك الجهاز الذي تستخدمُه حتى تستطِع التحرك بحرية ولا يراه أحد أسفل ملابسها على الرغم من أن الجميع يعرف ماأصابها لولا هذا الجهاز ما كانت إستطاعت أن تسير مرة أخرى فهي كانت في عداد الأموات وخرجت من هذا الحادث بشلل ولكنها قوية لم تكُن من النوع الذي يستسلِم وقت الوقوع ف الأزمات بل كانت تقع وتنهض مرة ثانية لتواصل وبالفعل بعد أن أجرت العديد من العمليات بداخل وخارج مصر بدون جدوى قررت أن تتوقف عن المُقاومة وترضى بقدرها وكل ماعليها أن تحمد ربها على إنها مازالت على قيد الحياة وتستمر بحياتها ولكنها توقفت عن الحلم بالزواج وتكوين أسرة فليس من العدل أن يتحمل أحد معها ألامها فهي يكفيها مُعاناتها التي تُعانيها عندما تبذِل مجهود قوي لا تنام الليل حينها لذلِك تبتعد تمامًا عن هذه الأمور وتصُب كامل تركيزها على دراستها والنجاح بها وفقط.. كان هذا التفكير قبل أن يآتي هو " ريان " ذلِك الأشقر الوسيم هو يُشبِه بطل الحكاية التي كانت تقُصها عليها والدتها قبل النوم بصُغرها هو الأمير الوسيم الذي يقع بغرام الفتاة الفقيرة بالرواية ولكنها ليست تِلك الفقيرة بل هي " حور عبدالرحمن علوان " صاحبة صاحبة الأصل والعائلة الكبيرة المرموقة ومرضها لا يُعيبها ف شئ هي تعرِف قدر نفسها جيدًا ولكن عندما يحتل هو تفكيرها يُصيبها الخوف.. الخوف من الرفض؛ من الجرح هي لا تستطِع تحمُل أن يجرحها أحد أو يُشعرها بالنقص لذلِك دومًا ما تخفي مشاعرها التي تحملها بقلبها تجاهُه.. نعم ف حور سقطت في عشق الأشقر الوسيم منذُ اللقاء الأول وقد آلقى بسحر عيناه على قلبها الصغير دون أن تشعُر وعندما آلقى به القدر داخِل حياتها وتكررت اللقاءات لم تشعُر سوى بحبُه الذي بدأ يتغلغل بكُل خلية بها.. تنهدت ببعض الخوف ثُم إلتقطت الجهاز وبدأت بتركيبُه بحرص وبعد أن إنتهت إرتدت ملابسها وخرجت من غُرفتها لتتفاجئ به يخرُج من غرفتُه المُقابلة لها إبتسم بإتساع ما أن رآها لتُبادلُه الإبتسام بهدوء تُداري به توترها من رؤيتُه المُهيبة لقلبها إقترب منها قائلًا بحنو:- صباح الخير ياحور؛ عاملة إيه النهاردة..
أجابتُه بنفس الإبتسامة:- الحمدالله وإنت عامل إيه..
أجابها بإنهُ بخير ثم هتف قائلًا بتساؤل:- إنتِ نازلة تحت مش كدة؟؟
حور بهدوء:- أيوة؛ إنت شكلك لسة مش حافظ الطريق تعالى معايا..
سار بجانبها وهو يشعُر بمشاعر جديدة عليه كُليًا تغمرُه فقط وهو معها هل يُمكِن أن يكون هذا حُب؟؟ ولكن كيف وهو لم يراخا سوى من فترة قريبة.. كيف يكون إحساسُه بها يصل إلى الحُب بهذه السُرعة؟ صحيح هو لم يختبر مشاعر الحُب من قبل على الرغم من المُجتمع الغربي المُنفتِح الذي نشأة به ويسمح لهُ بالحُب بل والخوض في علاقات دون رِباط رسمي أو شرعي إلا أن والديه قاما بتربيتُه على عادات وتقاليد مُجتمعُه وأسس وقواعد دينُه وأن أي علاقة بلا رِباط شرعي غير مُعترف بها لذلِك لم يلتفت إلى أمور العشق والغرام يومًا ولكن مايشعُر به الآن بوجود حور شعور مُختلِف لم ينتابُه من قبل.. يرغب بالبقاء بجانبها اكثر وقت مُمكِن ولكنهُ خائِف وبشدة.. خائِف من أن تمتلِك زمام قلبُه ولا تبادلُه العشق لا يُريد أن يتعرض لصدمة كهذه.. كان هذا كُل مايُفكر به وهو يسير بجانبها ولا يعلم أن قلب هذه الصغيرة مُتيم بعشقُه..
هتفت حور بتساؤل هادئ:- عجبتک البلد ياريان؟؟
نظر إليها بعين ضاحكة وإبتسم إبتسامة صافية قائلًا:- حلوة أوي؛ أنا كمان حبيتها أكتر من القاهرة؛ الدُنيا الهادية دي تخطف العقل الصراحة..
توقفت عن السير ونظرِت لهُ بتعجُب قائلة:- إنت شخصيتك غريبة أوي ياريان..
نظر لها بعدم فهم لتُكمل حديثها بهدوء قائلة:- قصدي إن واحد جاي من دولة أجنبية ومُجتمع مُنفتِح ولكن بالرغم من كدة عندك شخصية زي شخصيتك ومُحتفظ بعادات وتقاليد بلدك ف دي حاجة نادرة تلاقيها دلوقتي..
أجابها بشرود حزين:- البركة ف بابا وماما هما اللي كانوا مخليني أنا وچنان نعرف كُل حاجة عن ثقافة بلدنا ومنعملش زي المصريين اللي مُجرد ما بيسيبوها بينسوها ويتجردوا من جنسيتهُم..
إبتسمت بحنو قائلة:- ربنا يرحمهم؛ أكيد دلوقتي مبسوطين وهما شايفينكُم ف بلدكُم ووسط أهلكُم..
إبتسم لها مؤكدًا وهو يبتلع غصة مُسننة بحلقِه لذكرى والديه الراحلان في ذلِك الحادث المأساوي.. سارت حور بجانبُه حتى وصلت على مُقدمة الدرج الذي كان عليه بعض الأغراض التي لم تراها حور فتعثرت قدمها بهم وسقطت أرضًا دون أن يلحقها ريان الذي قرب يدُه سريعًا ليُساعدها ولكن يدُه تجمدت بمكانها وهو يلمح ذلِك الجهاز الذي ظهر أسفل ملابسها الفضفاضة التي إرتفعت قليلًا آثر سقوطها ولكن حور أخفتُه سريعًا بملابسها غير مُدرِكة إنهُ رأه ليتدارک نفسُه ويُساعدها على النهوض بتوتر وهو يشعُر بعضلات قلبُه ستقفز خارِج أضلعُه من هول الصدمة....
*********************************************
آتى المساء سريعًا وأسدل الليل ستائرُه على البلدة وإلتمعت النجوم بالسماء تسبح في الأُفق بلا هدف وجيه؛ شاردة فقط وبالرغم من ذلِك تُعطي منظرًا خلابًا يُسلِب العقول بجمالها الأخاذ المُبهِر.. هُناك من أغراه هذا المنظر ليُقرر النزول إلى الحديقة لمُراقبة المنظر عن كُثب.. كان هذا الشخص تمارة التي لم يزورها النوم هذه الليلة فقررت أن تنزِل إلى الحديقة قليلًا لإستنشاق بعض الهواء الصافي.. إرتدت إسدال الصلاة خاصتها وخرجت من الغُرفة بهدوء نزلت إلى الأسفل وسارت حتى وصلت إلى الحديقة جلست على إحدى المقاعد ووضعت سماعات الأذُن وقامت بتشغيل إحدى الأغاني الهادئة وإندمجت مع الأغنية أغمضت عينيها بإستمتاع وهي تشرُد بمُخيلتها إليه هو معشوقها ومُعذِب قلبها البرئ آدم ومن سواه عشقتُه بكُل جوارحها منذُ أن كانت طفلة صغيرة لا تعي ماهو الحُب ولكنها كانت لا تشعُر بالأمان إلا معُه وهي تلهو هُنا وهُناك وهو معها.. تعشقُه منذُ أن كانت مُراهِقة تتفتح براعِمها ويطرُق الحُب أبواب قلبها الصغير ولم تعرِف الحُب إلا لهُ.. تعشقُه حتى بعد أن تخطت مرحلة المُراهقة تِلك وأصبحت فتاة ناضجة تُفكر بعقلها لا بقلبها إلا أن العقل أيضًا يعشقُه بجانب القلب.. لا تجِد مفر من عشقُه الذي أرهق قلبها وأضناه عشقًا.. تعلم إنهُ لا يُحِبها وإنهُ يستفزها فقط وبالرغم من ذلِك لا تستطِع نسيانُه أو على الأقل تجاهل ضربات قلبها الت تتسارع وتتصارع بجنون بمُجرد إقترابُه منها.. ولكنها تتصنع البرود حتى لا تفضحها مشاعرها وتظهر أمامُه مُثيرة للشفقة وهي لا تحتاج إلى شفقتُه بل تحتاج إلى حبُه فقط وتعلم إنها لن تنالُه.. لن يجمعهُما علاقة حُب أبدًا فهي لن تحاول معُه كرامتها تفوق حُبها.. وتحمد ربها إنها ليست تِلك الفتاة الضعيفة الت تسعى لتنال أو تتسول حُب رجُل بل هي قوية حتى لو ظاهريًا.. توقفت الأغنية مع توقف سيل أفكارها لتفتح عينيها وتشهق بفزع بمُجرد أن رآت هذا الشخص أمامها والذي لم يكُن سوى آدم الذي كان ينظُر لها بنظرات غريبة لم تستطِع تفسيرها.. توترت بشدة من هيبتُه التي طغت على المكان حولهما تنحنحت قائلة بتماسُك وهمي:- إحم؛ إنت واقف كدة ليه ومن إمتى..
لم يُجيبها على الفور بل ظل يتأملها خُصلاتها البُنية الهادئة التي تتطاير بفعل الهواء؛ ملامحها الناعمة كالأطفال؛ وجنتيها الحمراء من شدة توترها الذي يستشعرُه بسهولة؛ هيئتها بإسدال الصلاة خطفت قلبُه ولبُه لا يُصدِق إنها تُحِبُه بينما هو كالأحمق لم يشعُر بها بل وجرحها بصمتُه لسنوات طوال وليكُن صادِق مع نفسُه لم يعرِف متى ولِدت بداخلُه مشاعر الحُب هذه تجاهها ولكنهُ يشعُر بإنها كانت موجودة منذُ زمن ولم يكُن يعرف بها وماجعلهُ يدرُك إنهُ يُحِبها هو إعترافها بحُبها لهُ كان بمثابة الصفعة التي تلقاها حتى يستيقظ من هذه الغيبوبة وها هو يُصارِع حتى يقنعها بحبُه لها.. إستشعر تملمُلها وتوترها لذلِك همس بنبرة هادئة وبطيئة آثارت رعشة لذيذة بسائر جسدها:- بتأملِك؛ بحب أراقبِك وأتفرج عليکِ من بعيد ياتمارة..
إتسعت عينيها من تصريحُه الجرئ وتصارعت ضربات قلبها وقبل أن تدع هذه السحابة اللذيذة تسحبها وتطوف بها في سماء العشق ثُم تعود إلى أرض الواقع على أوهام نهضت من مكانها لتهرب ولكنهُ أدركها وتوقف أمامها بجسدُه الضخم يُعيق هروبها وهمس قائلًا بنفس النبرة:- بتهربي ليه ياتمارة؛ متعودتش عليكِ جبانة وبتهربي؛ ويوم ماتهربي بتهربي من حُبِك..
إمتلأت عينيها بالعِبرات ولكنها أبت أن تُحررها من سجنها وعلى الرغم من ذلِك ظهر الضعف بنبرتها وهي تُجيبُه قائلة:- لما ميجيش ليك من الحُب دة غير الوجع يبقا لازم تهرب؛ حتى لو هتهرب من نفسك ياآدم..
آلمتُه حالتها الضعيفة التي لم يعهدها عليها من قبل.. هي تمارة ربيبتُه تِلك المُشاكسة الصغيرة الجريئة التي لم تتوان يومًا عن مُشاكسة كُل من حولها يآتي اليوم وتكون بهذا الضعف والسبب هو.. أحاط وجهها بين كفية وهمس قائلًا بعشق سرمدي وهو يخترِق دواخلها بنظراتُه:- ليه الوجع يانور عين آدم؛ ليه الوجع وأنا موجود؛ لا عاش ولا كان اللي يوجعك ياست البنات؛ تمارة أنا بحبك؛ عارف إنها صدمة ليكي ولنفسي لإني مكنتش أعرف إني بحبك أصلًا بس دة اللي حصل؛ حبيتِك وقلبي غرز ف حُبِك وإتدبست؛ ومن الآخر كدة إنتِ ليا حتى لو رفضتي ف بلاش تعافري معايا يابنت الناس وخلينا نلم الشمل..
إلى هُنا وكفى كُل هذه المشاعر الليلة لا تستطع تحمُلها.. كبت سنوات سينفجر بوجهُه الآن بالتأكيد.. كيف إعترف بالحُب بهذه البساطة.. هل لهذه الدرجة يراها مُثيرة للشفقة حتى يَكذِب ويدعي الحُب لا هي ترفُض ولن تقبل.. إعتدلت في وقفتها ورفعت ذقنها بكبرياء ثم همست قائلة ببرود تلجي:- غلطت ياادم ومحسبتهاش صح المرادي؛ مش أنا اللي واحد يعترفلي بحبُه شفقة ولا عطف؛ أنا تمارة علوان؛ يعني مش أنا اللي أتسول الحُب؛ مش أنا اللي أعترف لواحد بلحظة ضعف بحُبي ويجي هو بعد أيام يقولي وآنا كمان؛ متفتكرش إن خُبك دة هيعطلني أو هيخليني أوقف حياتي؛ إطلاقًا بُكرة هنساك وهحب غيرك وآتجوز ويبقا ليا بيت وراجل وحياة ووو...
أرادت أن ترُد لهُ الصاع صاعين وتسترِد كرامتها الذبيجة لذلِك تفوهت بهذا الهراء بتهور دون حساب للعقبات وبالفعب لم تكُن تُدرِك إنها أطلقت المارد بداخلُه ليكشف عن أنيابُه محاولًا تلجيم وحوشُه التي ترغب في الفتك بها الآن ك مُكافأة لها على غبائها الذي تتفوه به الآن ولكنهُ لم يستطِع السيطرة على نفسُه أكثر من ذلِك عندما آتت بذكر الزواج من آخر والله سيقتُلها ويقتلُه قبل أن يمسها رجُل آخر سواه قبض على ذراعيها حتى يقطِع هذا السيل من الغباء لتشهِق بألم وفزع ماأن إنتبهت إلى هيئتُه المُرعبة وذلِك الجنون الذي يتقافز داخِل مقلتيه الحمراء ثُم سمعتُه يهمس قائلًا بنبرة بطيئة مُخيفة ولكنها عميقة مستها داخليًا تحمل بين طياتها الشر:- إوعي يجي ف مُخليتك إنك هتبقي لراجل غيري ياتمارة؛ وجو شفقة وعطف دة أنا هخليكي تنسيه خالص بس نتجوز؛ أنا هتجوزك بمزاجك او غصب عنك ولما نُبقا ف بيتنا نُبقا نشوف الغباء اللي إنتِ رمتيه ف وشي مرة واحدة دة؛ ودلوقتي بقا إختفي من وشي وعلى أوضتِك قبل ماأشوه وشک..
***********************يُتبع*****************
تعليقات: 0
إرسال تعليق